هل تغيّر المسار؟… من “طريق القطن” إلى قلب الجغرافيا: مصر على مفترق الممرّات العالميّة.
في لحظة سياسيّة لافتة، خرج وزير خارجيّة إيطاليا أنطونيو تاياني بتصريح قد يعيد خلط الأوراق: القاهرة يجب أن تكون جزءًا من مشروع “طريق القطن”.
“طريق القطن” هو الاسم الشعبي الذي أطلق على ممرّ IMEC – الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا – ولم يعد مجرد فكرة على الورق، بل ساحة تنافس مفتوحة على إعادة رسم خرائط ممرّات وخطوط التجارة ومعابرها.
الممرّ المُعلن من قمّة العشرين، يستهدف نقل البضائع من الهند مرورًا بالإمارات والسعوديّة والأردن، وصولًا إلى المتوسّط ثمّ أوروبا عبر إيطاليا. في التصوّر الأوّلي، كانت إسرائيل محطّة العبور إلى أوروبا. لكنّ الإشارة الإيطاليّة إلى مصر كبديل محتمل تعني ببساطة: هناك تفكير جدّي في إعادة توجيه المسار.
لماذا مصر؟
لأنّ الجغرافيا هنا ليست تفصيلًا. قناة السويس ما تزال الشريان الأكثر حيويّة بين الشرق والغرب، والبنية التحتيّة المصريّة – من الموانئ إلى الشبكات اللوجستيّة – تمنح القاهرة قدرة فريدة على استيعاب جزء مُعتبر من تدفّقات التجارة. إدخال مصر في IMEC لا يعني فقط “تعديل خط سير”، بل إعادة توزيع للأوزان داخل شبكة الممرّات العالميّة.
الأهمّ أنّ هذا الطرح يضع مصر في نقطة تقاطع حسّاسة بين مشروعين كبيرين: الممرّ الهندي-الأوروبي المدعوم غربيًّا، ومبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة. القدرة على التفاعل مع الاثنين – من دون الوقوع في فخّ الاصطفاف الحادّ – قد تمنح القاهرة هامش مناورة نادر، يُترجم إلى استثمارات، ونقل تكنولوجيا، وتعزيز لدورها كمركز لوجستي إقليمي.
ولا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن السياق الأوسع: توتّرات إقليميّة، بما في ذلك توتّر علاقات الأوروبيّين مع الكيان الإسرائيلي؛ سباق على سلاسل الإمداد؛ ومحاولات لتقليل الاعتماد على نقاط اختناق تقليديّة. الممرّات لم تعد خطوطًا على الخريطة، بل أدوات نفوذ. وكلّ تعديل في مسارها ينعكس مباشرة على مراكز القوّة.
هل يصبح IMEC واقعًا؟ وهل تتحوّل مصر إلى محور بديل؟ الإجابات ما تزال مفتوحة، لكنّ المؤكّد أنّ المنافسة على “مِن أين يمرّ المستقبل” قد دخلت مرحلة جديدة. وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: أي طريق سنسلك؟ بل: من يملك مفاتيح الطرق، ومن يحدّد اتجاهها؟









