الحمد لله سقط بشار

قبل أيام، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موقفًا لافتًا حمل أبعادًا تتجاوز التضامن السياسي التقليدي مع لبنان وسوريا. قال أردوغان حرفيًا: “أمن تركيا لا يبدأ من هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”، وأضاف أن “اعتداءات نتنياهو وعصابته الإجرامية على سوريا ولبنان وصلت إلى حد بات يهدد تركيا أيضًا، لا هاتين الدولتين الشقيقتين وحدهما”. كما شدد على أن أنقرة “لن تسمح بفرض أمر واقع في بلدان أشقائنا، ولن تتغاضى عن أي هجمات تستهدفهم”.

ما يجعل تصريح أردوغان أكثر أهمية هو أنه يعكس استشعارًا تركيًّا متزايدًا للخطر الناتج عن الاجتياح الإسرائيلي للجنوب السوري والتقدم باتجاه العمق اللبناني. فأنقرة ترى، أو على الأقل تستشعر، أن هناك مشروعًا إسرائيليًا يتجاوز حدود المواجهة الحالية، ويتجه نحو إعادة تشكيل المنطقة وصولًا إلى بيئات تعتبرها تركيا جزءًا من أمنها القومي المباشر.

كل ذلك لا ينفصل عن سلسلة التصريحات الإسرائيلية التي صدرت عن مسؤولين إسرائيليّين بشأن إعادة رسم التوازنات وضرب ما يوصف بالمحور السني الصاعد، والذي تُعد تركيا أحد أبرز رؤوسه.

بالتوازي، وفي بيروت، هناك معلومات دبلوماسية، حصل عليها “المرفأ”، تفيد بأن تقارير عدد من السفارات تتحدث عن مساهمة تركية كبيرة ومؤثرة حصلت بالفعل في إعادة ترميم وضع “الحزب” العسكري والتسليحي منذ وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب 2024. وهي معلومات تبقى في إطار التداول الدبلوماسي غير المعلن.

والأكثر إثارة للاهتمام هو المقارنة مع المرحلة الأخيرة من حكم الرئيس السوري السابق بشار الأسد. فالأسد كان، في أيامه الأخيرة، يتحاور مع الإماراتيين ويحاول تقديم ضمانات للأميركيين تتصل بالتواجد الإيراني في سوريا، وعبره بمسارات تسليح “الحزب”. وإذا افترضنا أنّ الأسد بقي في السلطة وقدم تلك الضمانات وأغلق الحدود بصورة كاملة، لكانت المقـ ـاومة اليوم أمام حصار فعلي يضعفها بصورة كبيرة.

هنا تبرز مفارقة قد يرددها بعض المسؤولين الإيرانيين ومسؤولو “الحزب”، ولو في سرهم: “الحمد لله أن بشار قد سقط”. فبسقوطه جاء نظام تدور حساباته في الفلك التركي، ثم جاءت التطوّرات الإسرائيلية لتجعل أنقرة تستشعر خطرًا وجوديًا مباشرًا، فتعود الظروف لتخلق أوراقًا جديدة ومعادلات مختلفة، تدفع تركيا إلى دعم مقـ ـاومة ترى فيها حاجزًا متقدمًا يبعد الخطر عن حدودها قبل أن يصل إليها.

في هذا السياق، يصبح كلام أردوغان مفسّرًا بأنّ المعركة لم تعد تدور على حدود لبنان أو سوريا فقط، بل على حدود تركيا نفسها، وبنظر الأتراك، بضعة آلاف من المقاتلين في لبنان يصدون الخطر عن أمّة التسعين مليونًا في الأناضول.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top