كم يبعد لبنان فعلًا  عن هرمز وباب المندب!  

من هرمز إلى باب المندب، تتشكّل وقائع جديدة. وبخلاف ما يبدو، فإنّ المضيقين قريبين من بيروت، أكثر ممّا هو معتقد.

 

إذا كان هناك من تحوّلات تعتبرها إيران إنجازًا، فهي تمامًا في هذا المشهد الإقليمي المتبلور. بدلًا من الاكتفاء بالتصدّي للمعركة ضدّها ومن وداخل أراضيها، فإنّ طهران تحاول رسم خطوط مصالح جيوستراتيجيّة جديدة بين اثنين من أهمّ المعابر البحريّة العالميّة.

 

للمفارقة، التي يرفض بعض السياسيّين اللبنانيّين الاعتراف بها، فإنّ المضيقَين قد يخدمان لبنان. البعض في بيروت، لا يبدو متفهّمًا لذلك.

هذه إحدى الحقائق التي استجدّت بعد بدء حـ ـرب “الحلف الثنائي” الأميركي-الإسرائيلي.

 

وعندما يقول علي أكبر ولايتي، وهو مستشار للمرشد الإيراني، بعد الغارة على بيروت، إنّ هذه الفعلة “الحمقاء”، فعّلت “الحلقة الأولى من ردّنا المتسلسل” وإنّ هناك قدرة على إغلاق كلا الممرّين البحريّين، أي هرمز وباب المندب”، فإنّه يعني أنّ طهران تطرح معادلة توازن جديدة تفرض من خلالها ضوابطها، ومطالبها، من خلال المَضيقَين.

 

وعندما يقول قيادي في حركة “أنصار الله” اليمنيّة، لموقع “المرفأ” بعد إعلان صنعاء الحظر الشامل على الشحن البحري الإسرائيلي في البحر الأحمر، أنّ “كلّ العمليّات منسّقة؛ بل وكلّ السيناريوهات المحتملة جرى الاستعداد لها مسبقًا” إسنادًا للبنان وإيران وغزّة، فإنّ ذلك يعني أنّ مشهدًا جديدًا آخذ بالتبلور على مجمل مشهد الساحة الإقليميّة.

 

لكنّ البعض في بيروت لا يريد أن يستمع.

 

المضيقان يطالان معًا نحو ثلث النفط والغاز المنقول بحرًا في العالم. ويعبر في باب المندب سنويًّا نحو تريليون دولار من البضائع (12% من التجارة البحريّة العالميّة) ومن يضطرّ لتجنّب المضيق، سيكون عليه سلوك طريق التفاف طويل حول رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وهو ما يضيف عادة نحو 14 يومًا وتكاليف كبيرة إلى الرحلات بين آسيا وأوروبا. أمّا مضيق هرمز فينقل وحده نحو خُمس النفط المنقول بحرًا عالميًّا، إضافة إلى أنواع أخرى من البضائع.

 

وبهذا المعنى، فإنّ المضيقين الإستراتيجيّين، تحوّلا بعد لحظة التهوّر “الترامبي” الإجرامي، إلى نقطة ارتكاز حاسمة وإنّما مشتعلة، في معادلة الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.

وبينما البعض في بيروت لا يسمع، يصدح صوت نجاة الصغيرة وهي تغنّي:

القريب منّك بعيد والبعيد عنّك قريب

كلّ ده وقلبي اللي حبّك لسّه بِسمّيك حبيب

 

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top