الحـ ـرب على إيران وصفها دونالد ترامب في البداية بأنّها مجرّد “نزهة صغيرة.. ستبقينا خارج الحـ ـرب”. لكنّ الأمور سارت باتجاه الكارثة. والنتيجة الأساسيّة لهذه الحـ ـرب ستكون موت فكرة الإمبراطوريّة الأميركيّة، و”النزهة” هذه تمثّل نقطة لا عودة فيها في تراجع الولايات المتّحدة كقوّة عالميّة.
ربّما ليس اليوم، ولا غدًا.. لكنّ المسار واضح بحسب مجلة “NEW STATESMAN” البريطانيّة العريقة وهي تقرأ في بداية التفكّك النهائي لقوّة الامبراطوريّة الأميركيّة، تحت عنوان “السقوط: كيف دمّر دونالد ترامب الامبراطوريّة الأميركيّة”.
“النزهة” تتحوّل فشلًا. فليس بإمكان أميركا الإبقاء على حصار هرمز، مهما طال الوقت، وسيكون عليها في نهاية المطاف الانسحاب.. وستعيد إيران قبضتها كاملة. أمّا السفن، فليست بحاجة إلى أن تُغرق لكي يصبح الممرّ غير آمن، بل يكفي تهديد موثوق يجعلها غير قابلة للتأمين.
قوّضت الحـ ـرب الأسس الماليّة للهيمنة الأميركيّة. فقد كان ضمان الحماية هو الأساس لنظام “البترودولار” الذي من دونه، يصبح العجز الأميركي المتضخّم أكثر عرضة للاستدامة.
وإذا اختار ترامب “إتمام المهمّة” وأطلق عمليّة برّيّة، فإنّ الولايات المتّحدة ستُسحب إلى كارثة تفوق فيتنام وأفغانستان والعراق مجتمعة. وعندما يكتب ترامب أنّه “سيمطرهم بالجحيم”، فإنّه يعبّر عن الفكرة نفسها التي عبّر عنها قائد أميركي قال عن مدينة فيتناميّة العام 1965: “كان من الضروري تدمير المدينة لإنقاذها”. ولن يكون المشهد في إيران مختلفًا.
ترامب يبدو مصمّمًا على تدمير نظام عالمي فشل في إعادة تشكيله على صورته. وبينما قد يبقى حلف الناتو قائمًا بالاسم، فإنّ التحالف عبر الأطلسي أصبح عمليًّا غير فعّال. وتعود أميركا إلى مسارها قبل العام 1914 كحضارة منفصلة عن أوروبا.
إنّ الكارثة التي تتكشف ليست نتيجة خطأ استراتيجي فحسب. ففي دراستها البارزة “مسيرة الحماقة، من طروادة إلى فيتنام” (1984)، وصفت المؤرخّة الأميركيّة باربرا توكمان كيف أنّ الحكومات تواصل بشكل متكرّر اتباع سياسات تتعارض مع مصالحها، رغم توفّر بدائل أفضل ومعروفة لها. مثلًا، الطرواديّون أدخلوا الحصان الخشبي اليوناني إلى داخل أسوارهم، واختاروا الاستعراض بدلًا من الحكمة. كما أدّى رفض الإقرار بعدم إمكانيّة الفوز بالحـ ـرب إلى هزيمة مذلّة في فيتنام. إنّ الغرور والخداع الذاتي والفساد قادت جميعها بشكل حتمي إلى الخراب.









