مفاوضات الجعبة الفارغة

تتّجه السلطة اللبنانيّة نحو التفاوض مع العدوّ من موقع غير المعني بالمعركة، لا من موقع من فرض واقعًا ميدانيًّا ثمّ جلس إلى الطاولة. وهذا المسار، في جوهره، لا يشبه القواعد التي فاوضت الدول تاريخيًّا على أساسها، حيث كانت المفاوضات تأتي تتويجًا لتوازنات قوّة واضحة، لا بديلًا عنها.

 

بوضوح، يبرز الخلل منذ نقطة الانطلاق. فلبنان الرسمي يفتقر إلى أوراق قوّة حقيقيّة يمكن البناء عليها:

 

– لا إنجازَ عسكريًّا للدولة، بل تراجع في حضور القوى المسلّحة الرسميّة

– لا قدرة ردع مستقلّة،

– لا إجماعَ داخليًّا واضحًا على مسار التفاوض وسقفه. هذه النقاط تجعل أيّ دخول إلى طاولة التفاوض أقرب إلى خطوة في الفراغ، لا إلى استثمار سياسي لوقائع ميدانيّة.

 

تتعمّق المعضلة أكثر حين يصبح من يفاوض ليس هو من يقاتل. فالدولة تجلس إلى الطاولة، فيما القوّة الفعليّة على الأرض خارج قرارها المباشر. في مثل هذا الواقع، تفقد المفاوضات أحد شروطها الأساسيّة وهو وحدة القرار، وبالتالي فإنّ أيّ اتفاق محتمل لن يكون ملزمًا بالضرورة لمن يمسك بزمام الميدان، وقد يُرفض إذا لم يعكس توازناته الفعليّة.

 

إلى جانب هذا الخلل البنيوي، يندرج المسار التفاوضي الحالي في سياق خروج واضح عن المنظومة العربيّة التقليديّة التي انطلقت من مبادرة بيروت العربيّة، والتي أرست إطارًا جماعيًّا للتعامل مع الصراع، قائمًا على شروط واضحة ومقاربة موحّدة. كما يمثّل هذا التوجّه ابتعادًا عن المقاربات العربيّة الراهنة التي تميل إلى اعتماد الوساطات الإقليميّة، ومنها الوساطة الباكستانيّة بكلّ مندرجاتها، بما تعكسه من سعي لإدارة الصراع ضمن توازنات أوسع، لا عبر قرارات أحاديّة معزولة.

 

أمّا داخليًّا، فلا يمكن فصل هذا التوجّه عن أداء حكومي لم يتّسم، طوال عام ونصف تقريبًا، بعناصر الثقة المطلوبة. فقد بقيت هواجس أهل القرى التي تعرّضت لعدوان متواصل من دون معالجة جدّيّة، سواء على مستوى الحماية أو في مواكبة التداعيات الإنسانيّة والمعيشيّة. هذا العجز المتراكم يُضعف أيّ غطاء داخلي لأيّ خيار تفاوضي، ويجعل الدولة في موقع هشّ أمام شعبها قبل أيّ طرف خارجي.

 

في ضوء كل ما سبق، لا يبدو التفاوض اليوم مسارًا لفرض الشروط بقدر ما يُخشى أن يتحوّل إلى أداة لإدارة الخسارة. وبين غياب عناصر القوة، وتشتّت القرار، وتراجع الثقة الداخلية، يصبح السؤال الحقيقي: هل يفاوض لبنان ليحصل، أم يفاوض فقط ليحتوي ما تبقّى من تداعيات لا يملك أدوات السيطرة عليها؟

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top