مش واحد!

في وقت يجتاح فيه العدوّ جنوب لبنان، تبدو المفارقة السياسيّة واضحة بين موقفَي رئيس الجمهوريّة جوزيف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام. فبينما يذهب رئيس الجمهوريّة أكثر فأكثر نحو خطاب “السلام” مع “إسرائيل”، حتّى في ظلّ استمرار المجازر والاحتلال والتقدّم العسكري نحو النبطيّة وصور وما قد يليهما باتجاه صيدا، يظهر رئيس الحكومة أكثر انسجامًا مع التاريخ في مقاربة ما يجري باعتباره عدوانًا واجتياحًا لا يمكن التعامل معه بخفّة سياسيّة أو بلغة رماديّة.

 

جوزيف عون، الذي قاد الجيش اللبناني في مرحلة كان فيها التنسيق الميداني والسياسي مع المقـ ـاومة جزءًا من معادلة حماية لبنان، وكان عمليًّا ضمن معادلة “الجيش والشعب والمقـ ـاومة”، يبدو اليوم وكأنّه يختلف مع ذلك التاريخ بالكامل. فالرجل الذي كان يعرف طبيعة الصراع مع “إسرائيل”، وحجم الخطر الذي تمثّله الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، انتقل إلى خطاب يركّز على التهدئة والسلام، وكأنّ المشكلة الأساسيّة ليست الاحتلال والقـ ـتل والتدمير، بل فقط غياب الاستقرار.

 

في المقابل، يبدو نوّاف سلام أكثر انسجامًا مع تاريخه. فالرجل الذي عاش اجتياح بيروت عام 1982 وشهد مواجهة الاجتياح في العاصمة، يتعامل مع ما يجري اليوم بوصفه إعادة إنتاج لمشهد الاجتياح نفسه. لذلك جاءت مواقفه الأخيرة أكثر وضوحًا في توصيف ما يحصل بأنّه عقاب جماعي، وفي إدانة الاعتداءات على صور والنبطية وتدمير معالمهما التاريخية، مع التشديد على الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف إطلاق النار.

 

المفارقة هنا أن رئيس الحكومة، المصنّف تقليديًا ضمن الخط السيادي القريب من الغرب، يبدو اليوم أكثر إدراكًا لطبيعة المشروع الإسرائيلي من رئيس الجمهورية الآتي من المؤسسة العسكرية، التي خاضت سنوات طويلة من التنسيق مع المقـ ـاومة في مواجهة الاحتلال والإرهــ ـاب.

 

فبينما يتمسّك سلام بخطاب يعتبر أنّ ما يجري هو عدوان واجتياح يجب مواجهته سياسيًّا على الأقل، يذهب جوزيف عون نحو خطاب أقرب إلى التسليم بالأمر الواقع والسعي إلى “سلام” يتجاهل الوقائع الدمويّة اليوميّة في الجنوب اللبناني.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top