امرأة قتـ ـلت الملايين

ربّما لأنّ النخب العالميّة الحاكمة هي من توزّع صكوك الغفران، أو ربّما لأنّ المنتصر هو من يكتب التاريخ وفق روايته، وربّما لأسباب أخرى كثيرة، من الصعب أن تجد تركيزًا على “أفعال” الملكة البريطانيّة فيكتوريا، والتي لا تغتفر.

 

يذكّرنا هذا الوضع، بالسـ ـفّاح نتنياهو الذي برغم أنّ العالم شاهد جرائمه على الهواء مباشرة، في أوّل “إبـ ـادة” مصوّرة أمام أعيننا، لا يزال بشكل أو بآخر، كما لو أنّه مجرّد زعيم آخر يمضي بحياته بشكل طبيعي.

 

النخب العالميّة، وأدواتها، تتواطأ في الحدّ من شيطنة بعض كبار القتـ ـلة. “سيستم” السيطرة والهيمنة يقتضي ذلك. ولهذا، لا نجد من يبرز جـ ـرائم الملكة فيكتوريا، المكرّمة في التاريخ البريطاني وبصورها التي نُقشت على عملات بريطانيّة.

 

ارتبط عهدها (ما بين العام 1837 و1901) بتوسّع الهيمنة البريطانيّة على العالم لدرجة أنّ البرلمان كرّمها بمنحها لقب “امبراطورة الهند” في العام 1876، ما يجعلك تعتقد أنّها نهضت بحياة شعوب شبه القارة الهنديّة في ذلك. للمفارقة، كان عشرات الآلاف يموتون جوعًا بالتزامن مع حفل التكريم هذا الذي خُصّص له 5 ملايين جنيه استرليني في ذلك الوقت.

 

هناك تقديرات تشير إلى مقـ ـتل نحو 9 ملايين هندي بسبب الجوع والأمراض خلال حكمها الاستعماري، لأنّ السلطات البريطانيّة كانت تستولي على محاصيل القمح والأرزّ الهندي خصوصًا، وترسله إلى بريطانيا، برغم حاجة الناس لها في ظلّ ظاهرة جفاف وقعت وقتها.

 

هذه كارثة تعتبر من بين الأسوأ في العالم، ولكنّها ليست كارثة طبيعيّة، وإنّما من فعل المستعمر نفسه، وقد أثّرت على حياة أكثر من 58 مليون إنسان وقتها، بينما عمدت السلطات إلى فرض حصّة غذائيّة بسعرات محدودة يوميًّا من أجل ضمان إجبار السكّان الجائعين على القيام بأعمال شاقّة لصالح المستعمر.

 

أضاف حكم الملكة فيكتوريا، لمسة شرّيرة أخرى، إلى جانب جـ ـريمتها الهنديّة. فخلال عهدها، أطلقت الإمبراطوريّة ما اصطلح على تسميته بـ”حـ ـرب الأفيون” ضدّ الصينيّين، بنشر هذه المادّة المخدّرة بين شعوب تلك البلاد، وبقوّة السلاح والمؤامرات، لأنّ حكّام الصين كانوا يرفضون فتح أسواقهم أمام المنتجات والسلع البريطانيّة. عشرات الملايين من الصينيّين دفعوا ثمن هذا الإدمان الممنهج والحـ ـروب التي رافقته.

 

 

 

 

 

 

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top