خاص “المرفأ” المواطن “المعتّر” يحتاج 168% من دخله في أوّل يوم من الشهر!  

يبدأ صاحب الحدّ الأدنى للأجور شهره عاجزًا ماليًّا قبل أن يشتري ربطة خبز أو يدفع إيجار بيته، وقبل حتّى أن يؤمّن علب أدويته. فالحدّ الأدنى القانوني للأجر في لبنان يبلغ 28 مليون ليرة شهريًّا، أي نحو 312 دولارًا وفق سعر صرف 89,700 ليرة للدولار، بينما يبلغ الحدّ الأدنى اليومي 1.3 مليون ليرة، أي نحو 14.5 دولارًا.

 

في المقابل، بلغت معدّلات فواتير المولّدات لاشتراك 10 أمبير 450 دولارًا هذا الشهر. هذا الرقم وحده يعادل 144% من الحدّ الأدنى للأجور، ويتجاوز راتب العامل بنحو 138 دولارًا. وبحساب يومي، تبلغ كلفة المولّد 15 دولارًا، أي أكثر من الحدّ الأدنى للأجر اليومي البالغ 14.5 دولارًا.

 

ولا تنتهي المعاناة هنا، لأنّ المواطن “المعتّر” يدفع أيضًا لكهرباء لبنان. فتعرفة الدولة تبلغ 10 سنتات لأوّل 100 كيلوواط/ساعة، و27 سنتًا لكلّ كيلوواط إضافي، إلى جانب رسم قدرة قدره 21 سنتًا عن كلّ أمبير، والضريبة.

 

وعليه، إذا دفع المواطن 450 دولارًا للمولد ونحو 73 دولارًا لكهرباء الدولة كمعدّل وسطي، يبدأ شهره مستحقًّا عليه 523 دولارًا للكهرباء وحدها، مقابل راتب يبلغ 312 دولارًا. أي إنّه يسجّل منذ اليوم الأوّل عجزًا قدره 211 دولارًا، وتلتهم الكهرباء 168% من دخله، قبل احتساب الطعام والسكن والمياه والاتّصالات والنقل والتعليم والطبابة.

 

سنويًّا، يحصل العامل على حدّ أدنى يقارب 3,746 دولارًا، بينما تصل فاتورتا المولّد والدولة، وفق النموذج نفسه، إلى نحو 6,276 دولارًا. أي إنّ كلفة الكهرباء تتجاوز كامل دخله السنوي بنحو 2,530 دولارًا.

 

وتصبح الصورة أكثر قسوة عند المرض. فوزارة الصحّة تتحدّث في بياناتها المرجعيّة عن أكثر من 600 حالة دخول إلى المستشفيات يوميًّا، بما يتجاوز 219 ألف حالة سنويًّا. كما تشير الدراسات الصحّيّة إلى أنّ أكثر من نصف السكّان لا يستفيدون من تغطية صحّيّة فعّالة، فيما لا تنشر الدولة حتّى الآن إحصاءً وطنيًّا حديثًا وشاملًا لعدد اللبنانيّين الذين يدخلون المستشفيات.

 

ففي وقت يحتدم القتال حول فكرة بناء الدولة، ويلهو اللبنانيّون بمعارك هامشيّة، من مرشّحي طرابلس الجدد إلى انتخابات اتّحاد العائلات البيروتيّة، الكرامة الإنسانيّة في لبنان تحتضر. دخل شهري قدره 312 دولارًا، وفاتورتا كهرباء قد تبلغان 523 دولارًا، وعجز فوري قدره 211 دولارًا، قبل احتساب أي حاجة أخرى. إنّها ليست مجرّد أزمة غلاء، بل انهيار لمفهوم الأجر نفسه، وبالتالي انهيار للإنسان في لبنان.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top