في الدول المتقدّمة، لا تُدار الأحزاب السياسيّة بعقليّة اللحظة أو بمنطق ردّ الفعل الآني، بل عبر مؤسّسات داخليّة تراجع خطابها باستمرار وتقارن بين مواقفها الحاليّة وما أعلنته في السابق، حرصًا على عدم الوقوع في التناقض الذي يضرب صدقيّتها أمام جمهورها والرأي العام.
أمّا في لبنان، فالأمر مختلف، فيظهر التناقض بوضوح في خطاب القوّات اللبنانيّة على سبيل المثال، التي تجاهر اليوم برفضها لأيّ عفو عام قد يشمل عددًا كبيرًا من السجناء والمحكومين. إلّا أنّ هذا الخطاب يصطدم مباشرة بذاكرة سياسيّة لا تزال حاضرة، إذ إنّ رئيس الحزب سمير جعجع خرج من السجن عام 2005 بعد قانون عفو أقرّه المجلس النيابي، رغم أنّ التهم والأحكام التي كانت موجّهة إليه آنذاك ارتبطت باغتيالات شكّلت إحدى أكثر مراحل الحـ ـرب اللبنانيّة دمويّة وتعقيدًا.
القوّات اللبنانيّة نفسها، حصدت مقعد نيابي في طرابلس بحاصل أمّنه لها النائب أشرف ريفي حامل لواء السجناء الإسلاميّين، والذي يعتبر مناصروه أنّ هؤلاء هم أهلهم وقضيّتهم الأساس. عوضًا عن أنّ استثمار حالة 17 تشرين من قبل القوّات وفي شمالي لبنان تحديدًا، بُنيت على ما قام به هذا الجمهور على الأرض!
أمّا التيّار الوطني الحرّ، فيقدّم نموذجًا آخر عن الازدواجيّة السياسيّة اللبنانيّة. فالتيّار الذي يرفض اليوم العفو هو نفسه من صوّت بنعم على العفو عن رئيس حزب القوّات سمير جعجع!
كما أنّ الذي يرفع اليوم خطابًا حادًّا ضدّ الإسلاميّين، أو يعارض أيّ تسوية قد تشمل بعضهم، سبق أن خاض معركته النيابيّة في دائرة صيدا – جزين عام 2018 مستفيدًا من أصوات البيئة الإسلاميّة في صيدا، عبر تفاهمات انتخابيّة مع الجماعة الإسلاميّة وقوى سنّيّة محلّيّة، في معركة كان هدفها الأساسي الحفاظ على تمثيله وإيصال نوّابه في جزين.
بمعنى آخر، الإسلاميّون أنفسهم الذين يُقدَّمون اليوم كعبء سياسي أو أمني، كانوا بالأمس جزءًا من حسابات التحالف والحاصل الانتخابي عندما اقتضت المصلحة ذلك.
التناقض عند التيّار لا يتوقّف هنا، بل ينسحب أيضًا على ازدواجيّة تتلّخص بتلقّي دعمه السياسي وغير السياسي مؤخّرًا من دولة إقليميّة هي أكبر داعم له منذ تأسيسه، وهي نفسها التي لطالما دعمت مجموعات الإسلاميّين أنفسهم وبالطريقة عينها!
القوّات اللبنانيّة والتيّار الوطني الحرّ، حالة تُدرَّس كي يُتَفادى تكرار تناقضاتها.









