ليست صور مدينةً عاديّة على الساحل اللبناني. هي واحدة من أقدم مدن العالم، مدينة كبرى “حكمت البحار” وأسّست مستعمرات مزدهرة مثل قرطاجة وقادش، وارتبط اسمها بالأرجوان، وبالتجارة، والمرافئ، والمراكب التي حملت اسم لبنان إلى المتوسّط كلّه. وقد أدرجتها اليونسكو على لائحة التراث العالمي عام 1984 باعتبارها مدينة ذات قيمة إنسانيّة استثنائيّة.
منذ آلاف السنين، لم تكن صور مجرّد حجارة وأسواق وميناء. كانت حضارة كاملة. قاومت حصار نبوخذ نصّر البابلي 13 عامًا في القرن السادس قبل الميلاد، ثمّ صمدت 7 أشهر أمام الإسكندر المقدوني عام 332 ق.م، قبل أن يدخلها بعد حصار دمويّ وبناء جسر عسكريّ إلى جزيرتها. حتّى حين سقطت، لم يسقط معناها؛ فالتاريخ لم يخلّد الغزاة بقدر ما خلّد صمود أهلها.
مرّ عليها البابليّون والفرس واليونان والرومان والصليبيّون والمماليك، وتبدّلت الرايات فوق أسوارها، لكنّ صور بقيت صور: مدينة لا تُختصر بمن احتلّها، بل بمن صمد فيها، وبمن أعاد بناءها بعد كلّ خراب. لذلك فإنّ قصف “إسرائيل” العنيف اليوم لا يبدو استهدافًا عسكريًّا فقط، بل كأنّه انتقام قديم من الذاكرة لصالح الغزاة، من مدينة لم تنكسر في كتب التاريخ.
صور هي لؤلؤة الساحل اللبناني: شاطئها، مرفؤها، آثارها، سوقها، أحياؤها، بحرها المفتوح على الشمس، مقصد الناس من الجنوب وبيروت والبقاع والشمال. هي مدينة يأتيها اللبنانيّون لا كسيّاح فقط، بل كمن يزور قطعة من روحه.
لذلك، حين تُقصف صور، لا يُستهدف أهلها وحدهم. يُقصف تاريخ لبنان، وتُصاب ذاكرة المتوسّط، ويُجرح كلّ لبناني يعرف أنّ هذه المدينة أقدم من الغزاة، وأبقى من جيوشهم، وأنّ التاريخ، في النهاية، أنصف أبطال صور ولم ينصف محاصريها.
فيا أيّها الفينيقيّون.. أين أنتم؟









