في خضمّ السجال الدائر حول ملفّ التفاوض، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النقاش من مستوى الاشتباك السياسي والإعلامي إلى مستوى النصّ الدستوري نفسه، لأنّ الدستور اللبناني يحدّد بوضوح الجهة التي تتولّى المفاوضة في المعاهدات والاتفاقات الدوليّة، ويضع هذه الصلاحيّة في عهدة رئيس الجمهوريّة، لا رئيس الحكومة.
وبالاستناد إلى الدستور، فإنّ المادة 52 تنصّ على أنّ رئيس الجمهوريّة يتولّى المفاوضة في عقد المعاهدات الدوليّة وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن لا تصبح نافذة إلّا بعد موافقة مجلس الوزراء، وأن تُحال إلى مجلس النوّاب للتصويت عليها، فيما المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنويًّا أو التي تتعلّق بسلامة الدولة أو تتضمّن شروطًا دائمة، لا تُبرم إلّا بعد موافقة المجلس النيابي.
فالمفاوضة والإبرام منوطة دستوريًا برئيس الجمهوريّة، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ما يعني أنّ أصل الصلاحيّة ليس عند السراي الحكومي، وهنا يتضح أنّ الهجوم على سلام وتحييد رئيس الجمهوريّة لم يكن لقطع الطريق على المفاوضات.
أمّا المادة الثانية من الدستور، بما يرتبط بوحدة الأراضي اللبنانيّة وعدم جواز التنازل عن أيّ جزء منها، فتضع أيّ مسار تفاوضي تحت سقف مبدأ سيادي أعلى: لا تفاوض خارج ثوابت الأرض والسيادة وسلامة الكيان، ما يطرح إشكاليّة دستوريّة حول استمرار التفاوض في ظلّ الواقع القائم.
انطلاقًا من ذلك، يصبح من المشروع القول إنّ الضغط الذي مورس على نوّاف سلام لا يمكن قراءته ببساطة على أنّه يهدف إلى منع المفاوضات. فلو كان المقصود تعطيلها، لكانت الضغوط وُجّهت نحو رئاسة الجمهوريّة. أمّا تركيزها على رئيس الحكومة، فيوحي بأنّ الهدف إعادة ترتيب المشهد الداخلي بما يخفّف العبء السياسي عن الجهة التي تُحضّر للتفاوض، أي رئيس الجمهوريّة وفريقه، ويمنحها هامشًا أوسع للحركة، وفق ما تشير مصادر سياسيّة.
بمعنى آخر، قد يكون استهداف سلام قد أدّى وظيفة معاكسة لما رُوّج له: لا تعطيل التفاوض، بل تنفيس الاحتقان في المكان الخطأ، بما يريح الجهة التي تدير التحضير له دستوريًّا وسياسيًّا.
وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل أداء نوّاف سلام اليوم عن مساره السياسي والقضائي السابق، ولا سيّما موقعه قبل التسعينيّات وتجربته في المحكمة الدوليّة، إذ تُختبر الشخصيّات عند الانتقال من التنظير إلى القرار.
وتضيف مصادر سياسية أنّ سلام كان قد رفض اسم السفيرة ندى حمادة معوّض لتولّي مهمّة المفاوضة الابتدائيّة، ما يعزّز طرح أنّ الخلاف يتجاوز الشكل إلى هويّة من يدير هذا المسار.
وعليه، لا ينبغي أن يتوقّف النقاش عند سلام، بل يجب أن يتقدّم إلى سؤال أعمق: من يدير فعليًّا مسار التفاوض؟ ومن المستفيد من حصر الاعتراض برئيس الحكومة، فيما الدستور ينيطه برئيس الجمهوريّة؟









