تكشف الإشارات إلى مذكّرة مديريّة المخابرات اللبنانيّة عام 1966 بشأن “تسليح قرى الحدود الأماميّة” أنّ الدولة اللبنانيّة نفسها كانت تدرك هشاشة الجنوب وخطورة الاعتداءات “الإسرائيليّة” المتكرّرة على القرى الحدوديّة.
في تلك المرحلة، ومع ضعف انتشار الجيش، طُرحت فكرة “الدفاع الشعبي” لحماية الأهالي ومنع تهجيرهم. ومن هنا، فإنّ مفهوم “المقـ ـاومة” لم يكن منفصلًا عن فكرة الدفاع المحلّي، سواء حمل طابعًا شعبيًّا أو حزبيًّا، بل جاء نتيجة واقع حدودي فرض نفسه على لبنان.
ومنذ ذلك الوقت، دخل لبنان في سلسلة طويلة من محطّات التفاوض والتسويات مع “إسرائيل”، يمكن اختصار أبرزها بسبع محطّات أساسيّة: اتفاق الهدنة عام 1949، تفاهمات ما بعد حـ ـرب 1967، مفاوضات ما بعد اجتياح 1982، اتفاق 17 أيّار 1983 الذي سقط عمليًّا بعد انتفاضة 6 شباط 1984، تفاهم نيسان 1996، القرار 1701 بعد حـ ـرب تمّوز 2006، وأخيرًا اتفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022.
لكنّ كلّ هذه المسارات لم تُنهِ المطامع “الإسرائيليّة”، ولم تمنع الحـ ـروب والاجتياحات والاغتيالات والخروقات اليوميّة، بل بقي الجنوب ساحة مفتوحة للتوتّر الدائم.
ويأتي ذلك إضافةً إلى واقع ارتباط لبنان تاريخيًّا بالمسار السوري، فيما لم تصل العلاقات السوريّة ـ “الإسرائيليّة” أصلًا إلى سلام نهائي. واليوم يعيد الرئيس السوري أحمد الشرع التأكيد أنّ دمشق تريد العودة إلى اتفاقات فضّ الاشتباك لعام 1974، لا إلى اتفاق سلام أو شراكة أمنيّة مع “إسرائيل”.
فهل يستطيع لبنان الذهاب منفردًا نحو مسار مختلف، فيما تستمرّ “إسرائيل” يوميًّا في احتلال أراضٍ لبنانية، وتنفيذ الخروقات والاعتداءات داخل الجنوب؟
تمرير الوقت لم يعد ينفع. وإيجاد صيغة فعليّة لوقف الحـ ـرب يتطلّب التسليم أولًا بأنّ مسار التفاوض الحالي فشل بشكل كلّي!








