أداة الدولة العميقة ومفتاح نجاح العهد

تكمن لعبة شدّ حبال خفيّة تُدار بعناية فائقة. الأداة الأساسّية للدولة العميقة هنا ليست مجرّد قوانين أو مؤسّسات، بل هي رجالٌ أشدّاء يقفون خلف الكواليس: قادة أجهزة الأمن والاستخبارات الذين يتحكّمون في خيوط اللعبة، وكبار موظّفي إدارات الدولة الذين يحرّكون آليّة الحكم، والقضاة الذين يحملون ميزان العدالة في يد والقدرة على التأويل في أخرى. هؤلاء هم من يصنعون القرارات الحقيقيّة، وهم من يحدّدون مصير البلاد في صمت.
وفي خضمّ هذا المشهد المعقّد، تبرز التعيينات كأحد أهم مفاتيح النجاح للعهد الجديد. ففي لبنان، حيث الولاءات السياسيّة والطائفيّة تتجاوز أحيانًا الكفاءة، تصبح مسألة اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب تحدّيًا كبيرًا. قد يكون من المبكر الحديث عن الخيارات التي ستُتّخذ، ولكنّ الشيء المؤكّد هو أنّ الأساس يبقى واحدًا: تعيين الرجل المناسب في المكان المناسب.
فهل سيتمكّن العهد الجديد من كسر القيود التقليديّة واللجوء إلى التعيينات القائمة على الكفاءة والشفافيّة؟ أم أنّ الدولة العميقة ستستمرّ في فرض إرادتها، محافظةً على شبكة مصالحها التي تتحكّم في مصير لبنان؟

أخر المقالات

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top