الفخامة

يُقال إنّ العبرة في النهايات. لكن بالنسبة للعماد جوزف عون، فإنّ اليوم هو البداية. لا انتقاص في ذلك من مسيرته العسكريّة الطويلة الممتدّة أكثر من 40 سنة، وإنّما تأكيد على أنّ كلّ أدواره في السلك العسكري، سيغطّيها منذ اليوم بعباءة سياسيّة.

لعلّ الرئيس المُنتخب كان يحتسب لمثل هذا اليوم منذ زمن. دراسته للعلوم السياسيّة بينما كان يرتدي بزّته العسكريّة، تشي بذلك. ومع ذلك، فإنّ الاختبار الحقيقي له في عالم السياسة اللبنانيّة، يبدأ اليوم فعليًّا.

مقرّ اليرزة يختلف عن قصر بعبدا، لا في الشكل، وإنّما في المهمة، واختبار العماد جوزف عون الحقيقي يبدأ هنا تمامًا. الانتقال من دور العسكري إلى دور السياسي في تركيبة الهرميّة القياديّة في النظام اللبناني، تحتاج إلى مهارات استثنائيّة، وبدأ اللبنانيّون بمراقبته منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي فوزه بما يكفي من الأصوات لتبوّء الموقع الماروني الأوّل في الدولة.

وبإمكان “فخامة” الرئيس الآن أن يُظهر للبنانيّين التوّاقين إلى غد أفضل، إمّا أنّه جنرال آخر دخل قصر بعبدا، وهي ظاهرة لم تعد سابقة في لبنان ولا تثير شهيّة المتفائلين، أو بإمكانه أن يؤكّد لهم أنّه سيحاول فعلًا “صناعة” وطن مقتدر.

سيتوقّع اللبنانيّون من “فخامة الرئيس” عهدًا مثمرًا. رئيس يدرك هواجسهم وأوجاعهم وغضبهم على ودائعهم المنهوبة، ورواتبهم الرسميّة التي تضاءلت، وهمّة عالية لمساعدة النازحين والمدمّرة بيوتهم، وقيام دولة حقيقيّة تعي خطر عـ ـدوّها جنوبًا، وقادرة على حماية شعبها، ورعايتهم الصحّيّة التي تردّت، والفساد المتحكّم بهم وبأبنائهم، وشجاعة استثنائيّة في مواجهة حيتان الجشع والنهب المنظّم، والقرار الجريء الذي يحمي أملاكهم البحرية التي جرى السطو عليها.

“فخامة الرئيس” بإمكانه أن يصنع التاريخ منذ اليوم. أو بإمكانه ان يكون مجرّد رئيس آخر.

عليك أن تكون “مقدامًا” يا فخامة الرئيس، لا أكثر.

أخر المقالات

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top