“جندي مجهول” حارب مع إيران

بينما تترنّح مسارات التفاوض والدبلوماسيّة والخيارات العسكريّة صعودًا وهبوطًا، هناك شيء راسخ، ساعد إيران في احتواء آثار أكبر هجمة عسكرية تتعرض لها دولة بهذه المدة الزمنية، خلال العقود الماضية: التضاريس.

 

كانت الطبيعة الجغرافيّة والتضاريس الصعبة بمثابة الجندي المجهول في المعركة والذي وفّر شكلًا من الحماية لإيران الممتدّة على مساحة تتعدّى 1.6 مليون كلم مربّع. التضاريس الجبليّة الوعرة والمساحة الشاسعة وتنوّع الطبيعة الجغرافيّة ما بين الغابات الكثيفة في الشمال والصحارى القاحلة في الوسط والشرق، إلى جانب الجبال الشاهقة المغطّاة بالثلوج، كلّها ساهمت في الحدّ من الخيارات أمام المعتدين عليها، وفرضت عليهم حساب ألف حساب قبل التورّط في غزوٍ برّي، وسهّلت صمود الإيرانيّين أمام أكبر آلة سلاح جوّي تهاجم دولة بمثل هذا الجحيم الناري.

 

مثّلت هذه التضاريس الوعرة والمتنوّعة ما يشبه الحصن المنيع و”السلاح الصامت” في الحـ ـرب التي استمرّت 40 يومًا (وقبلها حـ ـرب الأيّام الـ12 في حزيران/يونيو 2025)، وهي بالإضافة إلى المساحة الكبيرة، حرمت “أقوى جيش في العالم” (كما يصفه الرئيس الأميركي ترامب)، من تحقيق نصر حاسم وسريع.

 

وقد تحوّلت سلاسل الجبال إلى حواجز دفاعيّة طبيعيّة، مثل جبال زاغروس في الغرب والتي تمتدّ لأكثر من 1500 كم وتضمّ قممًا تتجاوز 4 آلاف متر، ممّا جعل أيّ تفكير في غزو برّي واسع من جهة العراق مثلًا بمثابة “كابوس لوجستي”. وهناك أيضًا جبال البرز في الشمال التي وفّرت حماية طبيعيّة للمراكز السكانيّة الكبرى مثل طهران، حيث شكّلت عائقًا أمام المناورات العسكريّة السريعة. 

 

وقد استغلّت إيران التكوينات الجيولوجيّة الصلبة مثل الغرانيت لبناء منشآت عسكريّة محصّنة بعمق يصل إلى 500 متر تحت الأرض، ما قلّص من تأثير القوّة التدميريّة الهائلة للقنابل مثل GBU-57  التي تخترق حتّى 60 مترًا من الصخور، إذ واجهت صعوبة في تدمير “اللب” أو القلب الأساسي للمنشآت الموجودة في أعماق سحيقة.

 

النقطة الأخرى المهمّة أنّ القدرة على العمل بأمان نسبي في أعماق هذه الجبال والأنفاق المحفورة عميقًا، أتاحت للإيرانيّين الحفاظ على قدرتهم على إطلاق الصواريخ والمسيّرات برغم أسابيع من الغارات الجوّيّة المكثّفة. مداخل هذه المنصّات الجبليّة جرى ترميمها سريعًا ما إن توقّفت الغارات، تحسّبًا للغد.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top