أعادت التطوّرات الأخيرة طرح سؤال جوهري حول جدوى المسار التفاوضي الذي اعتمدته الدولة اللبنانيّة في الأشهر الماضية. فحين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه سعى إلى التواصل مع حز ب الله عبر الرئيس نبيه برّي ووسطاء من أجل وقف إطلاق النار، بدا واضحًا أنّ واشنطن تتعامل مع من تعتبرهم أصحاب القدرة الفعليّة على التأثير في الميدان وضمان تنفيذ أيّ تفاهم، بغضّ النظر عن الأطر الشكليّة أو الرسميّة.
في السياسة الدوليّة، لا تُبنى المفاوضات على الاعتبارات البروتوكوليّة بقدر ما تُبنى على موازين القوى والقدرة على الالتزام بما يُتّفق عليه. والتاريخ الحديث يقدّم أمثلة عديدة على ذلك. فقبل الانسحاب الأميركي من أفغانستان، كانت واشنطن قد استثمرت لعقود في دعم الدولة الأفغانيّة ورئيسها أشرف غني، وقدّمت مليارات الدولارات لبناء الجيش والمؤسّسات الرسميّة باعتبارها الحليف الاستراتيجي في مواجهة طالبان. لكن عندما حان وقت التفاوض على مستقبل البلاد، جلست الولايات المتّحدة مباشرة مع طالبان في الدوحة، رغم تصنيفها آنذاك تنظيمًا إرهـ ـابيًّا وخضوعها لعقوبات دوليّة واسعة، فيما بقيت الحكومة الأفغانيّة على هامش المفاوضات الأساسيّة. وفي النهاية انسحبت القوّات الأميركيّة، وسقطت الدولة التي دعمتها واشنطن، بينما أصبحت طالبان السلطة الحاكمة في كابول.
لا يعني ذلك بالضرورة تشابهًا كاملًا بين الحالتين اللبنانيّة والأفغانيّة، لكنّه يسلّط الضوء على قاعدة ثابتة في السلوك الأميركي: التفاوض يجري مع الجهة التي يُعتقد أنّها تملك القرار أو القدرة على تنفيذ الالتزامات على الأرض. ومن هذا المنطلق، فإنّ لجوء واشنطن إلى القنوات غير المباشرة في الملفّ اللبناني يشكّل مؤشّرًا إضافيًّا على محدوديّة الرهان على التفاوض المباشر بصيغته الحاليّة، في ظلّ غياب التوافق الداخلي حوله ورفضه من قبل الثنائي الشيعي.
لذلك، تبدو العودة إلى التفاوض غير المباشر خيارًا أكثر واقعيّة وقدرة على جمع اللبنانيّين حول مقاربة موحّدة. فهذه الصيغة لا تلغي دور الدولة، بل على العكس تضعها في واجهة العمليّة التفاوضيّة بصفتها المرجعيّة الوطنيّة الجامعة، مع الأخذ في الاعتبار التوازنات الداخليّة والقوى المؤثّرة فعليًّا في مسار أيّ اتفاق!









