رحلت الدكتورة مها أبو خليل شهـ ـيدةً تحت أنقاض مبنى سكني في مدينة صور، إثر قصف العدوّ لمبنى قبيل دقائق من سريان وقف إطلاق النار، لتُطوى بذلك صفحة من سيرة مناضلة لبنانيّة عاشت للبنان وفلسطين بصمت، وابتعدت عن الأضواء، فيما ظلّ تاريخها النضالي حاضرًا في ذاكرة رفاقها وكلّ من عرفها عن قرب.
تنتمي مها أبو خليل إلى جيل لبناني مبكر التحق بالثورة الفلسطينيّة، ونسج علاقة نضاليّة عضويّة مع القضيّة الفلسطينيّة، لا من باب التضامن العابر، بل من باب الانخراط الكامل في مسارها السياسي والكفاحي. وقد عُرفت، منذ أواخر ستينيّات القرن الماضي، كواحدة من الوجوه النسائيّة التي التحقت بصفوف “الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين”، وارتبط اسمها بإحدى أبرز المحطّات المبكرة في العمل الفدائي الخارجي ضدّ الاحتـ ـلال.
وتشير الروايات إلى أنّ أبو خليل شاركت، مع رفيقين لها من “الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين”، في محاولة خطف طائرة تابعة لشركة “العال” الإسرائيليّة من مطار أثينا في كانون الأوّل 1969، وانتهت العمليّة باعتقال المجموعة في اليونان، قبل أن يُفرج عنها لاحقًا في عام 1970، ضمن صفقة تبادل جاءت بعد عمليّة خطف طائرة يونانيّة نفّذتها الجبهة بالاشتراك مع “جبهة النضال الشعبي”. وبذلك ارتبط اسم مها أبو خليل مبكرًا بمرحلة من أكثر مراحل العمل الفدائي الفلسطيني جرأةً وحساسيّة.
وفي تجسيد للتخلّي عن أيّ مكتسب شخصي، لم تكن ابن القليلة الجنوبيّة، قرب صور، من أولئك الذين سعوا إلى تسويق تاريخهم الشخصي أو تحويله إلى مادّة إعلاميّة. عاشت سنواتها اللاحقة بهدوء، وابتعدت عن المقابلات والظهور، فيما بقيت صورتها القديمة إلى جانب الحكيم جورج حبش، وذكراها في بيت العائلة، شاهدًا على زمن كامل من الالتزام والتضحية. كما واصلت لاحقًا حضورها في العمل الاجتماعي والتنموي، من دون أن تتنكّر يومًا لخيارها الأوّل وانحيازها العميق إلى فلسطين.
استـ ـشهاد الدكتورة مها أبو خليل في القصف المعادي على صور لا يبدو، في رمزيّته، مجرد واقعة حـ ـرب عابرة؛ إذ إنّ امرأةً بدأت طريقها بمواجهة الاحتـ ـلال في شبابها، وأنهتها شهـ ـيدةً بفعل عدوانه بعد أكثر من نصف قرن، تختصر في سيرتها معنى الثبات على القضيّة، وتحوّل حياتها كلّها إلى شهادة سياسيّة وأخلاقيّة متّصلة.









