أصبحت بغداد منذ سنوات، بمثابة مرآة إقليميّة، تتداخل فيها الصراعات المحلّيّة مع الإقليميّة والدوليّة. ومن هنا يتمّ تبادل الرسائل بين المتصارعين والمتنافسين واللاعبين.
أخرجت الولايات المتّحدة آخر قوّاتها العسكريّة من العراق مؤخّرًا. هذا صحيح “رسميًّا” لكنّ يدها لا تزال طولى في العراق حيث تمسكه من خناقه ماليًّا.
الاثنين الماضي، جرت إقالة رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري. فجأةً وبدون أيّ مقدمات، أو تفسير رسمي، وتُركت المسألة قيد التكهّنات والتأويلات.
لم تقع واقعة محدّدة تفسّر الإطاحة بالشطري. لكنّ هناك ما هو معروف ومعلن، وهي خيوط يمكن ربطها ببعض بشكل أو بآخر:
– تضغط واشنطن منذ ما قبل سحب قوّاتها من أجل “نزع سلاح” الفصائل، وتدفع بمجازفة الاقتتال الداخلي، بين الدولة وأجهزتها بما فيها المخابرات، وبين “فصائل المقـ ـاومة”
– أجّلت التسويات عمليّة ضبط السلاح ومصير الفصائل حتّى صيف عام 2027
– الشطري أقيل بشكل مفاجئ قبل أقلّ من 48 ساعة من مجيء رئيس الحكومة علي الزيدي إلى دمشق، في أوّل زيارة لرئيس وزراء عراقي إلى العاصمة السوريّة منذ سقوط “نظام الأسد”، وسيطرة الجولانيّين على السلطة
– تقارب الزيدي-الشرع يحظى برعاية مباشرة من إدارة ترامب، من خلال مبعوثه طوم باراك، في إطار إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني والطاقة في المنطقة
– الشطري كان أوّل مسؤول عراقي يزور دمشق ويلتقي الشرع، بعد أيّام على سقوط دمشق، ويُعتقد أنّه قام بعدّة زيارات فتحت قنوات التواصل الدبلوماسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة بين العراق وسوريا. ولهذا أيضًا فإنّ إقالته بهذا التوقيت تثير تساؤلات
– الزيدي أمسك بنفسه جهاز المخابرات الآن. وهناك اعتقاد رائج في العراق بأنّه سيعيّن شخصيّة “أكثر طوعًا” له، خصوصًا في سياق توجّهه نحو عمليّة “تطهير” الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة
تخشى مصادر أن تكون إقالة الشطري، بهذه الظروف، وبهذا التوقيت، إيذانًا بنجاح الضغوط الأميركيّة في تحديد مصير قادة أجهزة أمنيّة وعسكريّة رسميّة في دول المنطقة، بما يتلاءم مع أجندتها الإقليميّة حاليًّا: استكمال الصراع مع إيران.
لم يعد يكفي إنجاح شخصيّات لتولّي مناصب رئاسة دولة أو حكومتها، والتدخّل الأميركي ينتقل أيضًا بشكل مكثّف إلى مستوى الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة. هل تذكرون عقوبات وزارة الخزانة الأميركيّة في أيّار الماضي على ضابطين لبنانيّين في مخابرات الجيش وفي الأمن العام؟ والضغوط المسرّبة عمدًا بحقّ قائد الجيش؟









