هزم ترامب وحده لولا يعيد بعض معنويات المحور!

لم يفز لولا دا سيلفا على فلافيو بولسونارو وحده. فنتيجة الانتخابات البرازيلية تحمل معنى أوسع من انتصار مرشّح على آخر: إنّها ضربة سياسية لمشروع يسعى إلى إعادة أكبر دولة في أميركا اللاتينية إلى دائرة النفوذ الأميركي، وتكريس سلطة اليمين المتحالف مع واشنطن. وقد حسم لولا الجولة الثانية بحصوله على 51.79%، مقابل 48.21% لمنافسه، منتزعًا ولاية رئاسية رابعة.

تبدأ أهمية الانتصار من الداخل البرازيلي. فقد أظهرت رهانات المستثمرين تفضيلًا لتغيير السلطة، وسط توقّعات بأن يقود فوز بولسونارو إلى سياسات أقرب إلى أولويات الأسواق. وسبقت الانتخابات مكاسب للأسهم والعملة البرازيلية، قبل أن تنقلب التوقّعات مع فوز لولا.

 

تكتسب فكرة الانتصار على “كارتيل التجار ورؤوس الأموال ووسائل الإعلام الفاسد” معنى سياسيًا كبيرًا. فالمال يملك قدرة تمويل الحملات، والإعلام يملك قدرة تحديد القضايا التي تتصدّر النقاش وصناعة صور المرشّحين. لكنّ نتيجة الاقتراع تذكّر بأنّ امتلاك أدوات التأثير لا يمنح أصحابها حقّ مصادرة القرار الشعبي.

 

ولفهم رمزية المشهد، تكفي العودة إلى مسيرة لولا. العامل والنقابي الذي تولّى الرئاسة بين عامَي 2003 و2010، دخل السجن في نيسان 2018 بعد إدانته بقضايا فساد، ومُنع من خوض الانتخابات التي أوصلت جايير بولسونارو إلى الحكم. أمضى 580 يومًا خلف القضبان، ثم أُطلق سراحه عام 2019. وفي 2021، أُبطلت إداناته لعدم اختصاص المحكمة، وثبت انحياز القاضي سيرجيو مورو في إحدى القضايا، قبل عودته إلى الرئاسة إثر انتخابات 2022.

 

أمّا خارجيًا، فتطال دلالات الفوز واشنطن. فقد استخدمت إدارة ترامب الرسوم الجمركية والضغوط دعمًا لعائلة بولسونارو، بينما جعل لولا السيادة الوطنية عنوانًا لمواجهته. لذلك يمكن اعتبار انتصاره انتكاسة لمساعي توسيع دائرة الحكومات المتحالفة مع الولايات المتحدة، وإبقاء البرازيل ضمن القوى التي تتعامل مع واشنطن انطلاقًا من مصالحها المستقلة.

 

وتنسحب هذه القراءة على إسرائيل. فاستمرار لولا يعني بقاء رئيس انتقد بشدّة حربها على غزة، ودافع عن الدولة الفلسطينية، في موقع قيادة دولة ذات وزن دولي كبير. يمكن وصف النتيجة بأنّها خسارة سياسية لتل أبيب، التي كانت ستجد في عودة اليمين البرازيلي شريكًا أقرب إلى توجّهاتها.

 

لولا هو رجل خرج من السجن ليستعيد الرئاسة، ثم جدّد تفويضه الشعبي في مواجهة رهانات مالية وضغوط خارجية. هزم بولسونارو وأصاب مشروع ترامب سياسيًا، وأبقى للبرازيل صوتًا مستقلًا في قضايا الجنوب العالمي وفلسطين. انتصار لولا يعيد للمحور بعض معنوياته في ظل كل ما مرّ به من 7 أكتوبر حتى اليوم.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top