لبنان كمقامر بين رجلين

عندما نبّه رئيس البرلمان الإيراني محمّد باقر قاليباف قبل أسبوعين من “لعبة الشرطي الطيّب والشرطي السيّئ” التي يمارسها الأميركيّون، ويؤدّيها حاليًّا نائب الرئيس دي فانس ووزير الخارجيّة روبيو، لم يستمع لبنان.

هناك ضرورة لمحاولة فهم رهانات السلطة بالانحياز إلى مسار في مواجهة مسار آخر، والّتي من تجلّيّاتها الخطّان المتوازيان اللّذان يمثّلهما دي فانس وروبيو في السياسة الخارجيّة، الأوّل كما يفترض أنّه “الشرطي الطيّب”، والثاني “الشرطي السيّئ”.

لبنان، كما هو واضح، اختار الانحياز إلى “الشرطي السيّئ”.

هناك اختلافات واضحة في نهجَي الرجلين ونبرتهما، خصوصًا منذ توقيع مذكّرة التفاهم مع إيران، فيما يتعلّق بالتعامل مع طهران، وأيضًا فيما يتعلّق بسياسة التصعيد والتخريب الإسرائيليّة.

وبرغم أنّ بعض المحلّلين، يقولون إنّ هذا التباين، مقصود، لإنجاح السياسة الخارجيّة، إلّا أنّ مسار الرجلين يشير فعليًّا إلى خلافات بينهما، فبينما يمثّل روبيو (ووزير الدفاع هيغسيث) التيّار المتشدّد في السياسة الخارجيّة ومع إيران وحلفها، فإنّ دي فانس أكثر تعبيرًا عن “الحمائم” والميل إلى التسوية مع إيران، بالاستناد إلى المبدأ الترامبي الذي استندت إليه شعبيّته السياسيّة بوقف “الحـ ـروب اللامتناهية” التي تخوضها الولايات المتّحدة منذ عقود.

وبهذا المعنى، فإنّ دي فانس أكثر براغماتيّة، ويميل إلى الحلّ الدبلوماسي وإقامة علاقات مستقرّة لا تتضمّن العداء القائم حاليًّا، ولهذا، فإنّ دي فانس هو من ذهب للقاء قاليباف في سويسرا والتوصّل إلى التفاهمات مع الإيرانيّين، وتوجيه عتاب -غير عادي- لإسرائيل.

في المقابل، روبيو محسوب على تيّار “الصقور” الكلاسيكي داخل الحزب الجمهوري، ويتبع نهجًا أكثر تشدّدًا وتصادميّة. ولم تمض أيّام على تفاهمات سويسرا، حتّى حطّ في الخليج، ليس فقط من أجل الدفاع عن قرار ترامب التفاهم مع الإيرانيّين، وإنّما أيضًا لوضع بصماته المتشدّدة على الرؤية الأميركيّة للاتّفاق، و”فصل المسارات” بإعلاء اللهجة ضدّ طهران و”حلفائها” بما في ذلك “الحزب” في لبنان، والدفاع عن إسرائيل.

في هذه اللحظة بالذات، اختارت السلطة اللبنانيّة خلال اجتماعات واشنطن، الانحياز إلى خطّة “فصل المسارات”، والرهان على نجاح حسابات وقراءة روبيو الإقليميّة.

لبنان يتموضع فيما بين دي فانس، وروبيو. وهنا، ربّما أيضًا جانب من مخاوف اللبنانيّين من المقامرة الجارية.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top