الرئيس عون.. حين سيقرأ جوناثان راندل

لم يكن جوناثان راندل صحافيًّا يراقب لبنان من بعيد، بل كان واحدًا من المراسلين الأميركيّين الذين عاشوا تفاصيل الحـ ـرب اللبنانيّة من داخلها. عمل لسنوات مراسلًا لصحيفة واشنطن بوست، وغطّى نزاعات كبرى في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم، وكان في لبنان منذ سبعينيّات القرن الماضي، أيّ قبل انفجار الحـ ـرب الأهليّة، وتابع عن قرب صعود الميليشيات، والتدخّلات الإسرائيليّة والسوريّة، والحضور الأميركي في الساحة اللبنانيّة.

 

في كتابه عن لبنان “مأساة لبنان: أمراء الحرب المسيحيّون، المغامرون الإسرائيليّون، والارتباك الأميركي”، قدّم راندل قراءة صحافيّة وسياسيّة لتجربة بلد تحوّل إلى نقطة تقاطع لصراعات إقليميّة ودوليّة أكبر من قدرته على الاحتمال.

 

في الكتاب ينقل راندل: “بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، كان لبنان دائمًا شأنًا ثانويًّا جدًّا. وهي لا تريد أن يحصل أيّ تغيير هامّ في الشرق الأوسط. إلّا أنّ هذه السياسة تعادل، بطريقة لا واعية على الأرجح، القضاء على لبنان”.

 

لم تكن أهمّيّة هذا الكلام في اتّهام واشنطن بأنها أرادت القضاء على لبنان، بل في الإشارة إلى معضلة أعمق: ماذا يحدث عندما تصبح دولة صغيرة جزءًا من ملفّات أكبر منها؟ عندما يُقاس استقرارها الداخلي بميزان صراعات المنطقة، لا بحاجتها إلى بناء دولة مستقلّة وقادرة؟

 

 

مع وصول الرئيس جوزاف عون إلى رئاسة الجمهوريّة، دخل لبنان مرحلة حسّاسة. فقد وصل الرجل إلى قصر بعبدا توافقيًّا وسطيًّا، وما لبث أن تحوّل طرفًا ورأسًا للحربة، تماشيًا مع رغبة أميركيّة جامحة لمواجهته الحزب.

 

في هذا الطرح دعوة من “المرفأ” لفخامة الرئيس كي يقرأ كتاب راندل، فالسياسي القارئ هو صاحب القرارات الحكيمة، ودون التاريخ لن يُحسن إدارة الحاضر.

 

أمّا المسألة الأساسيّة يا فخامة الرئيس ليست فقط ماذا تريد واشنطن من لبنان، بل كيف يُدار هذا المسار: هل عبر توافق لبناني طويل يعيد بناء الدولة من الداخل، أم عبر دمج الملفّ اللبناني في مواجهة إقليميّة أوسع؟

 

هنا تصبح مقولة راندل ذات دلالة تتجاوز زمنها. فالدول الصغيرة لا تنهار دائمًا بسبب قرار واحد أو حـ ـرب واحدة، بل أحيانًا عندما تصبح رهينة أولويّات الآخرين.

 

فمأساة لبنان، كما حاول راندل وصفها، ليست فقط في أنّ اللبنانيّين خاضوا حـ ـروبهم، بل في أن رهانات بعضهم على الإدارات الأميركيّة أتت مخيّبة للآمال!

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top