في نيويورك والانتخابات التمهيديّة التي جرت فيها، رسالة أوسع من الولاية الأميركيّة ذاتها. هناك رسالة يجب أن يسمعها من هم من المستخفّين بأهمّيّة تراكم العمل النضالي اليومي والكفاح المتواصل. وحتّى بالمقـ ـاومة.
وهناك من يردّد، مثلما يفعل العديد من اللبنانيّين، والعرب أيضًا، تساؤلات مثل ما فائدة الاحتجاج، أو التظاهر، أو العمل السياسي والاجتماعي والمثابرة في إعلاء الصوت، خصوصًا الآن برغم كلّ ما يجري في أنحاء بلادنا منذ 3 أعوام.
هناك تحوّلات في مزاج الناخبين في نيويورك. المدينة التي توصف أحيانًا بأنّها “عاصمة اليهود في العالم” (خارج الكيان الاحتلالي)، ومركز الرأسماليّة العالميّة، والتي تمثّل “الروح الاميركيّة”، بدأت تتعزّز فيها ظاهرة التغيير الجذري، من قواعد الحزب الديمقراطي، صعودًا نحو رؤوس القيادات، وفي جانب من ذلك، مردّه الموقف المبدئي والأخلاقي من “إسرائيل”.
الرئيس ترامب نفسه كان غاضبًا بقوله إنّ الولايات المتّحدة لن تصبح شيوعيّة. ويحذّر أيضًا من “الشيوعيّين المتطرّفين الملحدين” ويعتبرهم الخطر الأكبر على الولايات المتّحدة منذ تأسيسها. طبعًا، ترامب هو من ملوك التهويل والمبالغات، لكنّ الحقيقة أنّ تيّارًا اشتراكيًّا ديمقراطيًّا يتنامى في صفوف القواعد الشعبيّة للحزب الديمقراطي، فرض قبل أيّام مجموعة انتصارات في انتخابات تمهيديّة للحزب في الولاية.
إسرائيل صارت عبئًا. وأموال منظمة “ايباك” صارت شبهة تطيح برموز قياديّة كبيرة في الحزب أمام جيل أكثر مبدئيّة وقناعة بأنّ الكيان الإسرائيلي مجـ ـرم، بعدما كان الديمقراطيّون والجمهوريّون يتنافسون منذ عقود على “حبّهم” لإسرائيل، وحبّ الكيان لهم.
زهران ممداني كان فتح الثغرة. لكنّ القصة أبعد من ذلك. استطلاع رأي أجرته مؤسّسة “غالوب” في أيلول/ سبتمبر الماضي، أظهر أنّ نسبة الديمقراطيّين الذين ينظرون إلى الاشتراكيّة بشكل إيجابي ارتفع من 50% في 2010 إلى 66%.
الدعم لإسرائيل أصبح أمرًا سامًّا سياسيًّا. ممّن صوّتوا لممداني، وللمرشّحين الأكثر نقدًا لإسرائيل في نيويورك، شرائح اجتماعيّة متنوعّة وتقدّميّة، وبينهم تيّارات يهوديّة خصوصًا في أجيال الشباب، يتملّصون من إلصاق تهمة إسرائيل والصهيونيّة بهم.
صحيح أنّ إسرائيل ليست العنصر الوحيد والقضيّة الرئيسيّة في هذه الانتخابات التمهيديّة والتحوّلات التي تجري في قواعد الحزب الديمقراطي. لكن بالتأكيد هي ظاهرة تتنامى، حتّى لو أنّ الولايات المتّحدة لم تصبح شيوعيّة.
أميركا تتغيّر ببطء، ومثابرة الاشتراكيّين الديمقراطيّين، أتت أكلها في نيويورك.









