أكثر ما يثير الاستغراب ليس ما فعله الوزير بن غفير، وإنّما، ردود الفعل التي تبدو متفاجئة ومستاءة.
بن غفير كان منسجمًا مع نفسه، وشفّافًا. بن غفير كان يعبر عمّا يؤمن به، مهما كان معتوهًا وشاذًّا وعنصريًّا. هذا الوزير الممسك بحقيبة الأمن، يعرفه كلّ العالم، ويحتضنه بنيامين نتنياهو، وتعترف بحكومته غالبيّة دول العالم، بمن فيها تلك التي نكّل بن غفير بمواطنيها في عرض البحر، وبعد اقتيادهم مذلولين ومعذّبين إلى قبضة سجونه.
إذا كنت تعرف بن غفير، أو أقلّه تدرك ما كان يفعله خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في غزّة والضفّة الغربيّة تحديدًا، ستكتشف ضحالة استيائك الآن. بن غفير يعبّر عن شريحة من مجتمع صُوِّر لنا طوال عقود بأنّه قلب الديمقراطية النابض في صحراء الاستبداد، ليتبيّن أنّه مختلّ حتّى العظم.
“كلّ إسرائيلي يشعر بفخر كبير بعد فيديو بن غفير”، يقول عضو الكنيست من حزب “القوّة اليهوديّة” يتسحاق كرويزر مشيدًا بالانتهاكات بحقّ ناشطي “أسطول الصمود”.
هذه حقيقة. والسجال والجدل الدائر الآن داخل أروقة السياسة الإسرائيليّة، وفي بعض إعلامها، حول ما فعله بن غفير، ليس سوى عتاب بين “الأحبّة” وحلفاء ومتواطئين، وسياق طبيعي في مجتمع ينظّم رحلات ترفيه و”بوشار” للاستمتاع بمشاهدة القصف والمذبحة في غزّة، ويتابع عبر الشاشات في جلسات مرضى معتوهين، مشاهد مصوّرة لعمليّات تفجير القرى اللبنانيّة.
هذه حقيقة الكيان، منذ نشأته، مهما جُمِّل لكم.
ومع ذلك، فإنّ الصدمة التي حصلت بسبب مشاهد الاستهزاء والتنكيل والتشفّي بناشطي “أسطول الصمود”، ألحقت ضررًا إضافيًّا بسمعة الكيان المتردّية وصورته التي تحظى بتواطؤ عالمي. وتقول قناة “إسرائيل-24″ بحسب تحليل للخطابات على وسائل التواصل الاجتماعي، إنّ نشر فيديو التنكيل بناشطي الأسطول أدّى لارتفاع هائل بالخطاب السلبي تجاه إسرائيل تجاوز 400 % حتّى الآن.
المفارقة المفجعة أنّ الغضب الذي عبّرت عنه حكومات أوروبّيّة أهين رعاياها في عرض البحر، ربّما ما كان ليكون بهذه الحدّة، لو أنّ المشاهد لم يتمّ تصويرها ونشرها.
بن غفير، وغيره في هذا المجتمع المعقّد إجراميًّا، دافع وبرّر اغتصاب الأسرى الفلسطينيّين في السجون، باعتباره وسيلة ردع، ولم يتحرّك أحد.
فلا بأس الآن ببعض التنكيل بالعصي و”السحاسيح” والركل والرصاص المطّاطي. فإسرائيل، كما يرغبون، -ويرغب بعضنا- برؤيتها، ليست شرًّا مطلقًا !!








