بوش نجح.. ترامب سقط

ليست صدفة أنّ الشريحة الأكبر من الأميركيّين لا تؤيّد حـ ـربًا مع إيران. هم سئموا الحـ ـروب اللامتناهية التي تجرّهم إليها الإدارات الأميركيّة المتعاقبة فيما أحوالهم المعيشيّة، وضرائبهم والتضخّم تلاحقهم.

 

خطأ ترامب أنّه حاول محاكاة جورج بوش عندما فبرك اتهامات ومزاعم لبناء قضيّة مقنعة للحـ ـرب على العراق في العام 2013. المفارقة أنّ ترامب بنى جزءًا أساسيًّا من إرثه السياسي على التنكيل بمن سبقه من رؤساء لخوضهم حروبًا لانهائيّة وبلا جدوى.

 

لكنّه مع ذلك راح يكرّر “الخطيئة العراقيّة” نفسها تقريبًا، مع فارق أساسي هو أنّ الأميركيّين فيما بعد “11 أيلول”، كانوا أكثر استعدادًا لتقبُّل وتأييد الذرائع التي تقدّمها حكوماتهم مهما كانت (هل تذكرون أنبوب المادة البيولوجية التي رفعها وزير الخارجيّة الأميركي وقتها كولن باول أمام مجلس الأمن لإقناع العالم بحتميّة الخطر العراقي؟)، وقد نجح بوش وقتها في ترويج الأكاذيب، لكنّ الأميركيّين الآن أكثر تردّدًا وتشكيكًا في كلّ ما تقوله إدارة ترامب الذي يبدو أنّه فشل في تقديم سرديّة مقنعة حول “الخطر الإيراني” الداهم.

 

والأكاذيب كانت بلا حدود، والذرائع مفجعة في لاعقلانيّتها، كأن يقول ترامب مثلًا إنّ الإيرانيّين “يريدون تخصيب القليل من اليورانيوم، لكن لا يجب عليهم التخصيب عندما يكون لديهم الكثير من النفط”!

 

وللتمهيد للعدوان، اغتنم ترامب خطاب حال الاتحاد ليزعم أنّ الإيرانيّين “طوّروا بالفعل صواريخ يمكن أن تهدّد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتّحدة”. ماذا تعني كلمة “قريبًا” لم يسأل أحد، لكنّ الرسالة واضحة لترهيب الأميركيّين أنفسهم.

 

ومثلما ساهم رامسفيلد ووولفيتز وتشيني في فبركة الأكاذيب والتسريبات فيما قبل غزو العراق، استخدم مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف التكتيك نفسه ضدّ إيران عندما قال إنّ إيران على بُعد أسبوع على الأرجح من امتلاك مواد بدرجة صناعيّة تؤهّلها لصنع قنبلة نوويّة، بعد وصولهم إلى درجة تخصيب 60%.

 

“شيطن” الأميركيّون العراق ونظامه، مثلما “شيطنوا” إيران ونظامها. غزو العراق تحوّل بأدبيّات السياسة الأميركيّة، إلى أسوأ القرارات في التاريخ الأميركي الحديث. والمشكلة أنّ العالم ابتلع فكرة أنّ إيران على بعد أسبوع من صنع قنبلة نوويّة، والأميركيّون وحركة “MAGA” أنفهسم لم يصدقّوا، لكنّ ترامب وزملاءه من دعاة الحرب، ساروا بعيون مفتوحة نحو الخطيئة العراقيّة الثانية.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top