المنزل المتواضع لـ”مرشد الجمهورية” الذي أسقط الأميركيّون والإسرائيليّون عليه 30 قنبلة صباح السبت، يختزل رمزيًّا مسيرة صاخبة لرجل نشأ فقيرًا، وعاش مضطهدًا من الشاه، ومناضلًا من أجل الثورة عليه، ثمّ منخرطًا في بناء الدولة إلى جانب السيد الخميني، وصولًا إلى موقع الرئاسة في أحلك الظروف، ثمّ إلى موقع “المرشد” منذ العام 1989.
رحل علي خامنئي ولم يوقّع، أو ينكسر. أن يُقتل في خضمّ عدوان لا يحمل سوى سمة الإمبرياليّة، وفي شهر رمضان، وخلال صيامه إلى جانب ابنته وحفيدته، قد يغرز صورته عميقًا في الميثولوجيا الشيعيّة تحديدًا، والإسلاميّة عمومًا، وفي السرديّة الكربلائيّة التي تخلّد أصحابها، ولكنّها قد تحوّله أيضًا إلى رمز عالمثالثي، جنوبي، قارع الطغيان، أسوة بلائحة طويلة من رموز الكفاح ضدّ الاستعمار المخلّدة في ذاكرة شعوب عديدة.
وإذا كان السيّد الخميني، فجّر الثورة، ومهّد لقيام “الجمهورية الإسلاميّة” ونظر لها، فإنّ السيد خامنئي، لم يساهم في “مأسسة” هذه الدولة الحديثة فقط، وإنّما قادها في خضمّ عواصف الداخل والإقليم والعالم، والمؤامرات. ربّما ما من دولة في عصرنا الحديث، واجهت مثل هذا الكمّ من الضغوطات والعقوبات والتهديدات، وحتّى الإغراءات التي كان يمكن أن تعيد لها دور “شرطي الخليج” مقابل أن تهادن وتصالح وتخضع لواشنطن وتل أبيب، لكنّها لم تفعل.
و”المأسسة” تعني أيضًا أنّ اغتيال “المرشد” لا تعني نهاية “الجمهوريّة” وإنّما القدرة على الاستمرار. هذا هو التحدّي الأساسي الذي تواجهه الآن وهي تدخل مرحلتها الثالثة في سنّها اليافع (بعد حقبتَي الخميني وخامنئي)، وهي مرحلة قد لا تقلّ خطورة واضطرابًا عمّا مضى، ولكنّها أيضًا بمثابة باب جديد للمضي قدمًا إلى الامام. وهذا هو الامتحان الأكبر وهي تواجه حربًا وجوديّة.
خامنئي، المولود في مشهد العام 1939، والابن الثاني بين 8 أبناء لعائلة متديّنة وفقيرة، والذي نجا من معتقلات الشاه ومن الاغتـ ـيال قبل 40 سنة، والذي انتقل من موقع خطيب الجمعة في طهران إلى الرئاسة، ومن الحـ ـرب التي فرضها صدام حسين على إيران الوليدة، إلى موقع مرشد الجمهوريّة، قد يترك فارغًا هائلًا برحيله، لكنّ الظروف والتوازنات الداخليّة والإقليميّة والعالميّة التي رحل في خضمّها، وطريقة اغتـ ـياله وتوقيتها، بالإضافة إلى رمزيّته السياسيّة والدينيّة، قد لا تجعل موته، مجرد صفحة طويت.









