الحـ ـرب على غزة: هزيمة مدوية

بمقاييس الدمار، بإمكان من يشاء، بما في ذلك العـ ـدوّ نفسه، أن يدّعي أنّه لم يُهزم. وبأرقام الضحايا، بإمكان من يشاء، بما في ذلك العـ ـدوّ أيضًا، أن يدّعي أنّه حقّق التفوّق المرجو.

وبعيدًا عن الجدل البيزنطي، اللبناني والفلسطيني والعربي، حول مفهوم النصر والهزيمة وتأويلاتهما المتعدّدة، فإنّ حكومة نتنياهو كانت منذ 15 شهرًا، حدّدت 3 أهداف للحـ ـرب: القضاء على حركة حمـ ـاس، استعادة الرهائن، ضمان أنّ غزّة لن تشكّل تهديدًا لإسرائيل مجدّدًا. ثمّ في 17 أيلول/سبتمبر، وسّعت الحكومة الأهداف المعلنة لتضيف بندًا رابعًا: تأمين عودة عشرات الآلاف من مستوطني الشمال الذين أجبرتهم المقـ ـاومة اللبنانية على النزوح بعيدًا عن الحدود.

والآن، جاء قبول إسرائيل بوقف إطلاق النار، ليفتح دفتر الحساب: هل “انتصرت” إسرائيل؟ أم أنّ المقـ ـاومة “انتصرت”؟

وباعتبار أنّ إسرائيل حدّدت “أهدافها” من الحرب، فقد يكون قياس معايير “النصر والهزيمة” انطلاقًا من هنا. ومن دون مبالغات لغويّة، فإنّ التدقيق في ما تحقّق وما لم يتحقّق من الأهداف، يظهر أنّ إسرائيل بعد 467 يومًا، تقف عاجزة: إنّها هزيمة (هكذا يقرؤها المحلّلون الإسرائيليّون).

مقـ ـاتلو حمـ ـاس بالأمس خرجوا للاحتفال مع الناس في مختلف أنحاء القطاع (المحـ ـتلّ، المدمّر والمحاصر). الوزير الأميركي بلينكن قال إنّ حمـ ـاس كانت قادرة على إعادة تعبئة صفوفها.

ثانيًا، لم ينجح نتنياهو في إطلاق الرهائن مثلما روّج أنّه سيفعل من خلال القوّة، وتحوّل مصير هؤلاء إلى فضيحة وإدانة شعبيّة له في الداخل، والخارج، مع نجاح المقـ ـاومة في الإمساك بورقة الضغط هذه حتّى اللحظات الأخيرة.

ثالثًا، ضمان أنّ غزّة لن تشكّل تهديدًا مستقبليًّا. لقد أظهرت الحرب، أنّ المقـ ـاومة ظلّت قادرة على إنزال ضربات موجعة، لتتعالى الأصوات الإسرائيلية في الأيّام الأخيرة: ماذا يفعل جنودنا هناك؟؟!!. صواريخ المقـ ـاومة، ظلّت تنطلق، والكمائن تنزل خسائر مؤلمة بجنود العـ ـدوّ.

رابعًا، برغم الحـ ـرب المدمّرة التي خيضت ضدّ لبنان، لا يزال مستوطنو الشمال في أماكن النزوح الداخلي. هم لا يجرؤون على العودة، والحكومة لم تمنحهم الإذن.

ملاحظة أخيرة: وزارة الماليّة الإسرائيلية قالت إنّها تكبّدت ما يصل إلى 34 مليار دولار. العجز بالميزانيّة 5.2 مليار دولار. هذه تكاليف مباشرة، ولا تحسب التداعيات الإضافيّة التي بحسب صحيفة “كالكاليست” بلغت بالإجمال 67 مليار دولار.

أخر المقالات

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top