جوزيف عون: “الشهابية 2″؟

الخطاب الأوّل لجوزيف عون كرئيس يستدعي المقارنة مع فؤاد شهاب. خلفيّتهما العسكريّة، وظروف توليهما السلطة، والعناوين الشاملة التي تعهّد عون بإنجازها.

انتخاب الرئيسين جاء في ظروف مختلفة، لكن كنتاج لازمتين. شهاب اعُتبر منقذاً بعد الزلزال العراقي بانقلاب أطاح بالنظام الملكي، ومجيء العسكري عبد الكريم قاسم، وسقوط “حلف بغداد” المدعوم من الغرب والذي كان الرئيس شمعون يناصره، ولهذا سارع الى الاستنجاد باحتلال أميركي للبنان حفاظًا على حكمه في وجه القوى الوطنيّة والإسلاميّة التي كانت مناصرة لجمال عبد الناصر. وفي اللحظة التي بدا فيها لبنان في عين الخطر، جرى توافق أميركي-ناصري على شخصيّة شهاب ليكون المنقذ في المرحلة الصعبة.

وبالمثل ربّما، يجيء جوزيف عون بظروف لا تقلّ خطورة، إذ وقع زلزال الانقلاب السوري، في خضمّ حـ ـرب إقليميّة طالت لبنان بنيرانها المدمّرة، ناتجة عن تصاعد عـ ـدوانيّة الكيان الإسرائيلي. صحيح أنّ مصر هذه المرّة أيضًا من خلال “الخماسيّة” جزء من تسوية انتخاب عون، لكنّ القرار ينسب إلى توافق أميركي-سعودي.

المهمّ أنّ شريحة كبيرة من اللبنانيّين، كما كان الحال مع بداية عهد شهاب، علّقت الآمال على الخروج من اضطراب عهد شمعون، فإنّها الآن وخصوصًا بعد خطاب عون الشامل، وسنوات الاضطراب التي قلّ نظيرها (انهيار الليرة والأزمة الاقتصاديّة وانفـ ـجار المرفأ والفراغ الرئاسي والحـ ـرب التدميريّة على لبنان والمقـ ـاومة)، ترفع آمالها بأنّنا أمام “عهد شهابي 2”.

تقوية الدولة ورفضه تدخّل الجيش في السياسة والإصلاحات ومواجهة الطبقة السياسيّة والاقطاعيّة التقليديّة ونفوذها، حوّلت شهاب إلى “بطل وطني”. وفي الخطاب الوردي الذي ألقاه عون خصوصًا حول مكافحة الفساد واستقلاليّة القضاء وأجهزة الرقابة ودور الجيش وأداء السلطة السياسيّة والنهج الاقتصادي الإنقاذي والسيادة الحدوديّة للوطن ومواجهة العـ ـدوّ، ورفضه مقولة “انكسار” أحد المكوّنات، رفعت الآمال عاليًا.

شهاب الذي لم يكن “مؤدلجًا”، رفض الترشّح مجدّدًا العام 1970 وكان يشعر بالخيبة: تجربته في السلطة أقنعته أنّ اللبنانيّين ليسوا جاهزين للتخلّي عن العقليّة الإقطاعيّة والاقتناع بأهميّة بناء الدولة الحديثة. مات بسكتة قلبيّة بعدها بثلاث سنوات.

ما سمي “التحالف المسيحي” الثلاثي. كانوا ألد خصوم شهاب.
يبقى أن نرى، هل سيمنع عون إجهاض عهده؟

أخر المقالات

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top