ولم نسمع صرخات “العامرية”

في العام 2003، دخلنا إلى “ملجأ العامرية” . كانت 12 سنةً قد مضت على هذه المجـ ـزرةِ المتعمّدةِ التي ارتبكها الأميركيّون في بغداد، لكنّ الجدران الداخليّة المتشظّية والمثقوبة، كانت تنبض بأرواح المقتولين، وصراخهم.

 

في العام 1991، لم تكن القنابل “الذكيّة” القادرة على اختراق التحصينات، شائعة الاستخدام مثلما هو الحال في أيّامنا هذه، حيث تستخدم بكثافة في لبنان وغزّة وإيران، وأيضًا في غزو العراق 2003.

 

 الشهـ ـداء الـ400 في “ملجأ العامرية” كانوا مطمئنّين إلى أنّ القنابل لن تطالهم، وهم يحتمون داخل الملجأ الاسمنتي المحصّن بعوارض حديديّة تحت الأرض. ولم تكن المنطقة عسكريّة ولا تتضمّن منشآت مرتبطة بما سُمِّي وقتها “حـ ـرب تحرير الكويت”، ولم تكن هناك علاقة لهذا الحي بمعركة الكويت ولا تطوّراتها، وكان صدام حسين يخرج قوّاته الغازية من الكويت، وبمعنى آخر، لم يكن هناك أيّ ضرورة عسكريّة تبرّر قصف الملجأ.

 

لكنّ النيّة كانت واضحة. الطائرات الأميركيّة ظلّت تحوم في سماء المنطقة يومين قبل ارتكاب جـ ـريمتها. النيّة كانت موجودة لارتكاب الجـ ـريمة وضمان نجاح “التجربة” الدمويّة.

 

كان بإمكانك أن تسمع صخب المدنيّين المغدورين، وغالبيّتهم من النساء والأطفال، وتشاهد أرواحهم تحوم قرب الحفرة التي أحدثها الصاروخان الأميركيّان “الذكيّان” في سقف الملجأ، ولم يكن بإمكانك أن تفلت من الإحساس بضيق النفس ودقّات القلب المتسارعة برغم مضي 12 سنة على الجـ ـريمة.

 

في العام نفسه، أي في 2003، دخلنا خلسة كصحافيّين، إلى جناح مخصّص للأطفال في مستشفى بغدادي. كانوا مطوّقين بالعقوبات والحصار الأميركي. مئات منهم كانوا يحتضرون بصمت وأمّهاتهم إلى جانبهم، محرومون من الدواء والمعدّات الطبّيّة، والكثير منهم، انتفخت رؤوسهم وبطونهم لأسباب عصيّة على فهمي الطبّي.

 

لكنّه كان الموت في أكثر تجلّياته بشاعة.

 

سيتعرّض العراق للغزو بعدها بأيّام قليلة (وقد مرّت ذكراه الـ23 قبل أيّام ولم يتنبه أحد لها) لأنّ الأميركيّين أرادوا له “الحرّيّة”، وكان احتضار هؤلاء –وملجأ العامرية من قبل- دروسًا تتجلّى أمامنا.

 

ستتكرّر الإبـ ـادة في غزّة لاحقًا، وفي لبنان المراد سحقه الآن. “الدروس” نفسها يؤتى بها إلى إيران. “الأستاذ” هو نفسه. من “ملجأ العامريّة” إلى جناح الأطفال العراقيّين، المستحقّ موتهم (بحسب وصف مادلين اولبرايت)، وصولًا إلى “مدرسة ميناب الابتدائيّة” للفتيات الإيرانيّات.

 

لعلّنا لم نسمع دوي الصرخات من العامرية…

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top