في بيروت، لا تُختصر أزمة النزوح بمراكز الإيواء داخل المدارس، حيث تتولّى الهيئات الرسميّة والجمعيّات توزيع المساعدات الغذائيّة والدوائيّة والعينيّة. خلف هذا المشهد، يتّسع نزوح آخر أقل ظهورًا وأكثر حساسيّة: نزوح البيوت.
تشير الأرقام الرسمية أنّ ما يفوق 700,000 نازح لم يتوجّهوا إلى مراكز الإيواء بل إلى البيوت، وهو رقم صادم. بعضهم سكن على نفقته الخاصّة ولكنّ الأكثريّة المطلقة هم من ذوي الدخل المحدود والمعدوم!
آلاف العائلات البيروتيّة استقبلت نازحين داخل منازلها، عائلة أو اثنتين أو أكثر، وتقاسمت معهم أساسيّات الحياة. لكنّ هذه البيوت ليست ميسورة في معظمها، بل تعاني أصلًا من ضغوط اقتصاديّة حادّة. وتشير المعطيات الإنسانيّة إلى أنّ الغالبيّة الساحقة من النازحين تقيم خارج المراكز الرسميّة، ما يعني أنّ العبء الفعلي انتقل إلى المجتمع والعائلات المضيفة.
ماليًّا، تتفاقم الأزمة سريعًا. فـ”سلّة الحد الأدنى للبقاء” لأسرة من خمسة أشخاص تُقدّر بنحو 500 دولار شهريًّا، ما يعني أنّ استضافة عائلة إضافيّة قد تضاعف الكلفة إلى حدود الألف دولار أو أكثر، خصوصًا في بيروت حيث ترتفع كلفة الإيجار والكهرباء والطبابة. في المقابل، تشير التقديرات إلى أنّ معظم الأسر في لبنان عاجزة أصلًا عن تأمين حاجاتها الأساسيّة.
هنا تبرز الإشكاليّة الأساسيّة: من يساعد “نازحي البيوت”؟ ومن يدعم العائلات المضيفة؟ فهذه الفئة تبقى خارج آليّات الدعم المنظّمة المرتبطة بمراكز الإيواء، من دون تسجيل واضح أو مسار ثابت للمساعدة، رغم أنّها تتحمّل العبء الأكبر.
ومع غياب أفق زمني للحرب، يتجاوز الخطر البعد الإنساني ليطال الاستقرار الاجتماعي نفسه. فالعوز داخل البيوت، والضغط اليومي، والاكتظاظ، كلّها عوامل قد تدفع نحو احتقان يصعب ضبطه إذا استمرّ الإهمال.
في المقابل، تتحدّث شكاوى ميدانيّة عن فائض مساعدات في بعض مراكز الإيواء، مقابل نقص داخل البيوت. ما يطرح سؤالًا مباشرًا: هل توجد خطّة لإعادة توجيه هذا الفائض نحو العائلات المضيفة؟
المطلوب اليوم ليس فقط زيادة المساعدات، بل إعادة تنظيمها. يبدأ ذلك بالاعتراف بالعائلات المضيفة كشريك أساسي في الاستجابة، عبر إحصائها، وتسجيلها، وتخصيص دعم مباشر لها، نقدي وغذائي ودوائي، يوازي دعم مراكز الإيواء.
ففي هذه الحـ ـرب، لا يكفي أن نحصي من دخل المدرسة، بل من فتح بيته. لأنّ استمرار هذا التضامن من دون دعم، قد يحوّله من عنصر صمود إلى شرارة أزمة اجتماعيّة.









