على ماذا يلتقيان؟

موقفان يقولان الكثير. والقائلان لا يحملان صفة رسميّة، لكنّهما يعبّران كثيرًا عن مزاج سائد داخل أروقة الحكم في بلديهما اللذين لا تخرج منهما أراء وأفكار سياسيّة بمثل هذا الوضوح حول قضايا بمثل هذه الحساسيّة، بدون رضى أو غضّ نظر من جانب السلطات العليا. تركي الفيصل من الرياض، وحمد بن جاسم آل ثاني من الدوحة.

 

في مقال وصف بالـ”جريء” في صحيفة “الشرق الأوسط” السعوديّة، كتب الأمير تركي الفيصل الذي يبدو ناطقًا غير رسمي باسم المملكة ومدافعًا عن موقف الرياض التي بذلت جهدًا كبيرًا لمنع الحـ ـرب الأميركية على إيران، ووقفها وإيجاد حلول دبلوماسيّة لها، أنّه “لو نجحت الخطّة الإسرائيلية في إشعال الحـ ـرب بيننا (السعودية) وإيران، لتحوّلت المنطقة إلى حالة من الخراب والدمار وخسارة الآلاف من أرواح أبنائنا وبناتنا في معركة ما كان لنا فيها لا ناقة ولا جمل. ولنجحت إسرائيل في فرض إرادتها على المنطقة وبقيت الفاعل الوحيد في محيطنا”.

 

في الدوحة، كان الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، يطل تلفزيونيًّا، ليذكّر بأنّ الحـ ـرب ضدّ إيران لم تكن وليدة اللحظة، وأنّ اسرائيل حاولت منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون دفع الولايات المتّحدة نحو عمل عسكري ضدّ إيران، وأنّ نتنياهو نجح هذه المرّة في إقناع إدارة ترامب بأنّ الحـ ـرب ستكون قصيرة وسريعة وأنّ النظام الإيراني سيسقط خلال أسابيع، مضيفًا أنّه كان يدعو دول الخليج منذ العام الماضي إلى التحرّك لمنع نشوب الحـ ـرب عبر الضغط باتجاه الحلول السياسيّة والتفاوض، لكنّ تحذيراته لم تؤخذ بالجدّيّة الكافية.

 

وفي التقاطع مع كلام تركي الفيصل حول إسرائيل، قال حمد بن جاسم إنّ الخاسر الأكبر من الحـ ـرب كان الخليج وأوروبّا وآسيا، بينما خرج نتنياهو بأكبر المكاسب السياسيّة، لأنّه استطاع تسويق مشروعه القائم على إعادة تشكيل المنطقة من خلال خريطة “إسرائيل الكبرى”، وفرض تحالفات جديدة بالقوّة.

 

لكنّ هذا التقاطع في الموقفين يطال إيران أيضًا. فإلى جانب رسالة تركي الفيصل بمحاولة منع الحـ ـرب واستمرارها، يقول جاسم بن جبر إنّ الخليج لا يستطيع الدخول في قطيعة دائمة مع إيران، لأنّ الجغرافيا تفرض التعايش.

 

هذه حقائق. يبقى أن نرى كيف ستترجم الرياض والدوحة مواقفهما هذه، وكيف ستتصرّف أبو ظبي أيضًا. ولا يقلّ أهمّية، كيف ستتعامل طهران مع هذه الرسائل الموجّهة من عواصم الضفّة الغربيّة للخليج.

أخر المقالات

الأكثر قراءة

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top