تقارب الشرع-الحزب إسرائيل تجعله حاجة!

منذ سقوط نظام بشار الأسد، بدا واضحًا أن حز ب الله اختار التعامل بواقعية شديدة مع التحولات السورية الجديدة، بعيدًا عن لغة القطيعة أو الرغبة في استكمال الصدام المفتوح. فالحزب أعاد قراءة المشهد السوري المستجد وتعامل معه باعتباره واقعًا سياسيًا وأمنيًا لا يمكن تجاهله، ما انعكس تعميمًا داخليًا واضحًا على الكوادر الحزبية بعدم التعرض لرموز النظام الجديد أو استفزازهم سياسيًا وإعلاميًا، بانتظار تبلور تقدير جديد للموقف.

وفي هذا السياق، لم تكن عبارة “الأخ أحمد الشرع” التي استخدمها القيادي في الحزب النائب السابق نواف الموسوي زلة لسان، بل انعكاس حقيقي لموقف الحزب.

لكن السؤال الأهم: لماذا قد يراجع الحزب حساباته تجاه جهة اشترك معها في حـ ـرب دامية وسقط بينهما الآلاف؟

– في عقيدة الحزب السياسية والتنظيمية، لا تُغلق الأبواب نهائيًا مع أي تنظيم إسلامي أو جهادي. فمنذ تأسيسه انخرط الحزب في قنوات حوار واتصالات مع أطراف متناقضة معه عقائديًا وسياسيًا، ووصل الأمر في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات إلى حوارات جدية مع الجهاديين العرب آنذاك بشخص أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وكذلك مسار التنسيق الدائم مع أجنحة تنظيم الإخوان في المنطقة.

– إلى جانب ذلك، تبدو التحولات الإقليمية عاملاً ضاغطًا باتجاه هذا التقارب البطيء. فتركيا نفسها باتت تشعر أن إسرائيل تنظر إليها كخصم استراتيجي متصاعد، وهو ما عبّر عنه الرئيس رجب طيب أردوغان أكثر من مرة، وعكسته تصريحات نتنياهو، بالتزامن مع الاجتياح الإسرائيلي للجنوب السوري عقب سقوط النظام السابق، واستمرار الاعتداءات على دمشق ومناطق سورية.

هذا الواقع يضع أنقرة تدريجيًا في موقع أقرب إلى محور المواجهة مع تل أبيب، ما يفتح الباب أمام تقاطع مصالح إيراني–تركي تفرضه الوقائع الميدانية. ومع تقاطع الحليفين الأساسيين لكل من طهران وأنقرة في المنطقة، أي الحزب والنظام السوري الجديد، يصبح التقارب بينهما احتمالًا واقعيًا، وإن كان محكومًا بالحذر والبطء.

– أما الشرع، فهو بدوره يدرك أن تثبيت نظامه الجديد يحتاج إلى شبكة معقدة من التوازنات، وأن الذهاب الكامل نحو الخيار الإسرائيلي أو فتح مواجهة مباشرة مع إيران والحزب قد يهدد استقرار الداخل السوري الهش في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية والأزمات الأمنية والاقتصادية المتراكمة.

لهذا، فإن التقارب بين الطرفين، إن حصل، لن يكون عودة رومانسية إلى تحالفات الماضي بل تفاهمًا تفرضه الجغرافيا والضرورات الأمنية والتحولات الإقليمية الكبرى. وفي لحظة جنون إسرائيلية مفتوحة تجاه تركيا وسوريا ولبنان قد يصبح هذا التقارب، بالنسبة إلى الطرفين، حاجة لا بد منها.

أخر المقالات

الأكثر قراءة

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top