“إسرائيل” تهدم بيت ڤيكتوريا سركيسيان.. قصّة ناجية تشبه الجنوب  

فيكتوريا سركيسيان لم تكن مجرّد امرأةٍ عاشت بين مكانين، بل كانت حكاية نجاةٍ طويلة، بدأت من الموت ولم تنتهِ عند الحياة. أرمنيّة حملت في ذاكرتها ظلّ المـ ـذبحة، وعبرت بها إلى الجنوب اللبناني، بعدما أنقذها زوجها الحاج إسماعيل الذي تمرّد على التجنيد العثماني وهرب بها نحو حاروف، حيث كُتب لها أن تبدأ حياةً جديدة. قصّة فكتوريا يحكيها حفيدها فراس الأمين في منشور له على صفحته على فايسبوك.

 

في تلك البلدة، لم يكن بناء المنزل مجرّد فعل سكن، بل فعل تثبيتٍ للوجود. شيّد لها بيتًا مختلفًا، كان الأوّل في القرية بشبابيك خضر، على لون عينيها، كأنّ المكان نفسه أراد أن يحتفظ بصورةٍ منها. صار البيت علامةً، وصارت هي جزءًا من ذاكرة القرية، لا تُذكر حاروف من دونه، ولا يُذكر دونها.

 

وحين انتقلت إلى بيروت، يحكي حفيدها، اختارت أن تسكن في الأعلى. في أعلى شقّة في بناية الصواف في برج أبي حيدر، كانت المدينة تمتدّ تحت نظرها، بكلّ ضجيجها وتحوّلاتها. وعلى سطح المبنى، وُضعت صفّارة إنذار خلال سنوات الحـ ـرب، متعدّدة الفوهات، زرقاء اللون، تصرخ في زمن الخوف، ثمّ تصمت وتصدأ حين ينتهي الضجيج، تاركةً أثرها في ذاكرة من عاشوا تحتها.

 

كانت فيكتوريا تصنع حولها عالمًا صغيرًا يشبهها. في حاروف، كما في بيروت، حفرت بركًا للماء وأحاطتها بالزهور، كأنّها تُعيد ترتيب الحياة حول الجمال. كانت تستقبل العائلة كلّ أحد، بطعامٍ أرمني يُحضَّر كما تُحضَّر الذكريات، ببطءٍ وحنين.

 

وبعد رحيل ابنتها في عمرٍ مبكر، تحوّلت إلى ملجأٍ لأحفادها. كانت صارمةً بحنان، تؤنّبهم بكلمات أرمنيّة، وتخلط بين المذّكر والمؤنث حتى آخر أيامها، كأنّ اللغة بقيت معلّقة بين زمنين. وفي “دفتر تلفوناتها”، لم تكن تكتب أسماء، بل ترسم رموزًا: بندقية لضابط، منشار لنجّار، أفعى، دب… ذاكرة ترسم ولا تكتب، وتحفظ دون أن تقرأ.

 

عاشت عمرها كلّه من دون أن تعثر على أحدٍ من أهلها الذين نجوا من المذبحة. لم تلتقِ عائلتها الأرمنيّة يومًا، وكأنّها كانت الناجية الوحيدة من فصلٍ طُمِس بالكامل. حتّى اللقاء المتأخّر مع رجلٍ جاء من قرية فرنسيّة قريبة من نانت، مدّعيًا صلة قرابة، لم يكن كافيًا لإعادة ما انقطع.

 

طلبت أن تُدفن في حاروف، قرب ابنتها. هناك حيث بدأت حياتها الثانية، أرادت أن تنتهي الحكاية.

 

لكنّ الحكايات في هذا البلد لا تنتهي كما يُراد لها.

 

أمس، يقول فراس الأمين، دُمّر منزل فيكتوريا سركيسيان في حاروف. ذلك البيت ذو الشبابيك الخضر، الذي صمد كرمزٍ لنجاةٍ قديمة، سقط تحت نيران حـ ـربٍ جديدة. وكأنّ الزمن، بكلّ ما حملته هذه المرأة من عبورٍ وصبر، عاد ليُطاردها… لا في حياتها، بل في أثرها الأخير.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top