شهر على العدوان: قوّة الناس تكبح الفتنة!

بعد شهر على العدوان، يمكن القول إنّ واحدًا من أخطر الأهداف التي سعت إليها ماكينة التحريض سقط عمليًّا على الأرض: لم تنجح محاولة تحويل النزوح إلى فتنة، ولا تحوّلت مراكز الإيواء إلى خطوط تماس اجتماعيّ أو سياسي، بل ظهر في المقابل مشهد لبناني مختلف، عنوانه الأساسي أنّ الغالبية الواسعة من اللبنانيّين اختارت الاحتضان على الخوف، والتكافل على الكراهيّة، والتعامل مع النازحين باعتبارهم أهلًا في المحنة لا عبئًا يجب التحريض عليهم. وقد واكب هذا الواقع مسار أمنيّ ورسميّ ركّز على حماية مراكز الإيواء وتأمينها، فيما شدّد وزير الداخليّة أحمد الحجار على مواكبة القوى الأمنيّة لهذه المراكز وعلى رفض وجود السلاح فيها، بما يعكس اتجاهًا إلى ضبط الهواجس ومنع استثمارها في التحريض. 

 

المشهد الفعلي في بيروت ومناطق أخرى أثبت أنّ ما رُوّج له عن انفجار داخلي وشيك لم يكن سوى محاولة ضغط نفسي وسياسي على اللبنانيّين. فبدل أن تؤدّي الحملات الإعلاميّة إلى فرزٍ بين “مضيف” و”نازح”، أظهرت الوقائع أنّ اللبنانيّين، رغم التعب والخوف والضيق الاقتصادي، امتلكوا قدرًا عاليًا من الوعي حال دون انزلاقهم إلى منطق الانتقام أو الشيطنة الجماعيّة. وهنا تتقدّم مسؤوليّة الناس أنفسهم، لا بوصفهم جمهورًا متلقيًّا، بل بوصفهم قوّة كابحة للفتنة رفضت أن تتحوّل إلى أداة في مشروع تصادمي أراد إعادة تركيب البلد على قاعدة الرعب المتبادل. 

 

والأهم أنّ هذا السلوك الشعبي لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل شكّل ردًّا سياسيًّا وأخلاقيًّا مباشرًا على إعلام التصعيد والتحريض. فحين تفشل الدعوات المقنّعة أو الصريحة إلى الشحن الأهلي في إنتاج مناخ اقتتال، وحين تبقى البلاد متماسكة نسبيًّا رغم الضغط الهائل، يصبح واضحًا أنّ المجتمع نفسه أسقط وظيفة هذا الخطاب. بعد شهر على العدوان، لم ينجح دعاة الفتنة في كسر الداخل اللبناني، لأنّ الناس، ببساطة، كانوا أكثر وعيًا من الشاشات التي حاولت تخويفهم من بعضهم البعض.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top