كتب المحرّر السياسي:
قال رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إنّ الحقائق على الأرض أثبتت بطلان مقولة “إنّ ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ إلّا بالقوّة” والتي أطلقها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كلام عون أتى في سياق حديثه عن ضرورة إنهاء الحروب التي تُدار باسم لبنان، وإعادة بناء الدولة، واستعادة الأرض والأسرى وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
كلامٌ يستحق التوقّف عنده، لا اعتراضًا على هدف بناء الدولة الذي لا يختلف عليه لبنانيّان، ولا دفاعًا عن حروب قد تُخاض لأهداف غير لبنانيّة، بل انطلاقًا من سؤال بسيط ومباشر: إذا كانت الأرض التي أُخذت بالقوّة لا تُستردّ بالقوّة، فكيف تُستردّ؟ وبأيّ أوراق يفاوض لبنان لاستعادتها؟
ليست المشكلة في الدعوة إلى بناء الدولة، بل في تصوير القوّة كأنّها نقيض الدولة. ما أُخذ بالقوّة قد لا يُستردّ بالقوّة وحدها، لكنّه بالتأكيد لا يُستردّ من دون قوّة.
التاريخ واضح: إسرائيل لم تنسحب يومًا لأنّها اقتنعت بعدالة الحقّ اللبناني، ولا لأنّها احترمت القرارات الدوليّة فجأة. الاحتلال يرحل عندما تصبح كلفة بقائه أعلى من قدرته على الاحتمال. القوّة هنا كانت ولا تزال: ليست حربًا عبثيّة، بل قدرة ردع، وقرارًا سياديًّا، وجيشًا قويًّا، وشعبًا غير قابل للاستباحة.
والقوّة ليست بالضرورة بندقيّة تُطلق النار. هي مفهوم أشمل: قوّة عسكريّة وأمنيّة، قوّة سياسيّة ودبلوماسيّة، قوّة اقتصاديّة، قوّة القانون والمؤسّسات، قوّة التحالفات، وقبل كلّ ذلك قدرة الدولة على امتلاك أوراق تجعل الطرف الآخر مضطرًّا إلى أخذ مطالبها وحقوقها على محمل الجدّ.
الحقّ بلا قوّة يتحوّل إلى شكوى. والدبلوماسيّة بلا أوراق ضغط تتحوّل إلى انتظار. أمّا الدولة التي تتخلّى عن عناصر قوّتها قبل تحرير أرضها واستعادة أسراها وحماية حدودها، فهي لا تبني سيادة، بل تفاوض على سيادة ناقصة.
الدولة الحقيقيّة لا تلغي القوّة، بل تحتكرها وتنظّمها وتراكم عناصرها وتضعها في خدمة الأرض والحقوق والسيادة. وبناء الدولة لا يعني الانتقال من فائض القوّة خارجها إلى انعدام القوّة داخلها، بل نقل عناصر القوّة إلى دولة قادرة على حماية نفسها وفرض احترام حدودها وحقوقها.
ومن هنا يبقى السؤال مشروعًا أمام فخامتكم: إذا كان ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ بالقوّة، فما الذي سيجبر المحتلّ على إعادته؟









