لم تتمكّن ثلاثة مصادر حكوميّة لبنانيّة تواصل معها “المرفأ”، من نفي التصريحات المنسوبة إلى رون ديرمر، الوزير الإسرائيلي السابق للشؤون الاستراتيجيّة والمكلّف من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو رئاسةَ الوفد الإسرائيلي المفاوض مع لبنان، بشأن مزاعم اقتراب التوصّل إلى اتفاق سلام بين لبنان والكيان الإسرائيلي.
ويعكس هذا العجز عن النفي، إلى جانب الغموض الرسمي الذي يلفّ مسألة التواصل المباشر مع العدوّ حتّى الساعة، مؤشّرات مقلقة على أنّ الدولة اللبنانيّة تمضي في مسار بالغ الحساسيّة، هو توقيع اتفاق سلام مع العدوّ، يفتقر إلى رؤية واضحة ليومه التالي، وقد يفتح الباب أمام سيناريوهات تفجيريّة غير محسوبة النتائج.
وبحسب المعطيات، يتزامن هذا المسار السياسي مع واقع ميداني شديد التعقيد، حيث يخوض حز ب الله مواجهات مباشرة مع العدوّ على كامل خطّ الاشتباك، من النقاط الحدوديّة في عمق جنوب الليطاني، في بلدات مثل عيتا الشعب والخيام، وصولًا إلى مناطق شمال الليطاني، مع استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من جنوب النهر وشماله.
في هذا السياق، تُطرح تساؤلات جوهريّة حول جدوى أيّ مسار تفاوضي لا يحظى بتوافق داخلي، لا سيّما في ظلّ معلومات تؤكّد غياب أيّ تنسيق بين الدولة اللبنانية والحزب، وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليّة أساسيّة: كيف يمكن ضمان التزام المقاتل الفعلي بأيّ اتفاق لا يشارك في صياغته أو الموافقة عليه؟
كما تبرز إشكاليّة دستوريّة موازية، إذ إنّ أيّ اتفاق من هذا النوع يفترض عرضه على المجلس النيابي، ونيله موافقة أكثريّة الثلثين، فضلًا عن تعارضه مع نصوص دستوريّة قائمة تعتبر “إسرائيل” كيانًا معاديًا، ما يستدعي تعديلات داخل المجلس النيابي نفسه.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تجربة اتفاق 17 أيار 1983، الذي أدّى إلى انقسام داخلي حادّ، وانتهى عمليًّا بسقوطه في انتفاضة 6 شباط 1984، بما رافقها من تفكّك في مؤسّسات الدولة، وعلى رأسها المؤسّسة العسكريّة.
وتحذّر أوساط متابعة من أنّ الذهاب إلى اتفاق أحادي من قبل السلطة، التي أصبحت في الأسابيع الأخيرة طرفًا، ومن دون غطاء وطني واسع، قد يؤدّي إلى تداعيات مشابهة، تتجاوز الانقسام السياسي لتطال بنية الدولة ومؤسّساتها، ما يضع البلاد أمام مخاطر انزلاق جديد نحو الفوضى أو حتّى صدام داخلي.
إضافةً إلى ذلك، كان من المفترض أن يكون العمر الفعلي لحكومة الرئيس نواف سلام قصيرًا نسبيًّا، كما أنّ تفويضها السياسي محدّد بمسألة حصريّة السلاح وإجراء الانتخابات النيابيّة، فكيف يمكن لها أن تقرّر توقيع اتفاق سلام مع العدوّ، ويعود وزراؤها ويغادرون لبنان وكأنّ شيئًا لم يكن، في حين يدفع الناس والمؤسّسات الثمن وحدهم!
وفي موازاة ذلك، تشير معلومات “المرفأ” إلى أنّ خيارات عدّة قيد الدرس للردّ على مسار المفاوضات المباشرة، سواء من حيث آليّتها أو مخرجاتها المحتملة. وبحسب مصدر مطّلع، فإنّ “كلّ السيناريوهات مفتوحة”، بما فيها ربّما عدم تمكّن الوفد المفاوض مع العدوّ من العودة إلى لبنان بعد إنجاز الاتفاق.
وفي هذا الإطار، يفيد مصدر سياسي أنّ “حزب السيّد”، والذي يشبه شخصيّته، لم يعد كذلك، وأنّ خيار المواجهة الداخليّة لم يعد “بعبعًا”، وتحديدًا في حال ذهاب “الدولة” نحو خيار “السلام”!
أمام هذا المشهد، يبدو لبنان على أعتاب مرحلة شديدة الدقّة، حيث لا تتقاطع حسابات السلطة مع واقع الأرض، ما يفتح الباب بشكل حتمي أمام الفوضى غير الخلّاقة حتمًا، أي الحـ ـرب الأهليّة!








