من يريد الدولة ومن يريد الدويلة؟

في خضمّ السجال الدائر حول دور الجيش اللبناني في المرحلة الحاليّة، برزت في الأيّام الأخيرة سلسلة مواقف سياسيّة وإعلاميّة متباينة تعكس انقسامًا واضحًا في النظرة إلى موقع المؤسّسة العسكريّة ودورها في ظلّ المواجهة القائمة مع “إسرائيل”.

 

فقد أثار تصريح رئيس جهاز الإعلام والتواصل في القوّات اللبنانيّة شارل جبّور جدلًا واسعًا، بعدما قال في مقابلة عبر قناة MTV إنّ على الجيش اللبناني أن يقصف حز ب الله، وأن يستـ ـشهد أبناؤه في مواجهة الحزب، وهو موقف اعتبره كثيرون دعوة صريحة لزجّ الجيش في مواجهة داخليّة.

 

وفي السياق نفسه، كان النائب مارك ضوّ قد عبّر عن استغرابه من موقف قيادة الجيش، داعيًا إلى التزام تنفيذ قرارات السلطة السياسيّة والإشارة بوضوح إلى أنّ الجناح العسكري لحز ب الله بات خارج القانون، في موقف فُهم أيضًا على أنّه ضغط باتجاه مواجهة بين الجيش والمقـ ـاومة.

 

كما صدرت مواقف أخرى في الاتجاه نفسه عن شخصيّات سياسيّة وإعلاميّة عدّة، من بينها مواقف للنائب وضاح الصادق، ركّزت على ضرورة أن يقوم الجيش بدور أكثر حزمًا في الداخل، ما يوحي بضرورة المواجهة مع المقـ ـاومة أيضًا.

 

في المقابل، برز موقف مختلف لمستشار رئيس الجمهوريّة ووزير الأشغال السابق علي حميّة، الذي أشاد بالمؤسّسة العسكريّة وبدورها الوطني، معتبرًا أنّ الجيش يشكّل ضمانة للوحدة الوطنيّة وحماية للسلم الأهلي في هذه المرحلة الحسّاسة.

 

وبين هذين الخطابَين، يطرح السؤال نفسه: هل يدرك من يدعو الجيش إلى الانخراط في مواجهة داخليّة أنّ نتيجة هذا المسار، في حال حصوله، قد تكون دفع البلاد نحو مشهد تقسيمي خطير؟ فاقتتال الجيش مع أيّ مكوّن لبناني قد يفتح الباب أمام تفكّك المؤسّسة العسكريّة نفسها، وعودة منطق الكانتونات، وما يستتبعه من تقسيم فعلي للبلاد.

 

في المقابل، يرى آخرون أنّ الحفاظ على الجيش كمؤسّسة جامعة، واعتباره الضامن للوحدة الوطنيّة، هو السبيل الوحيد لتجنيب لبنان الانزلاق إلى هذا السيناريو.

 

فبين هذين المنطقين، من يريد الدولة ومن يريد الدويلة؟

أخر المقالات

الشرع يُحبط “إسرائيل”: لن أقاتل عنكم! شكّلت مواقف الرئيس السوري أحمد الشرع الأخيرة محطّة سياسيّة لافتة في مقاربة دمشق للملفّ اللبناني، ولا سيّما في ما يتعلّق بعلاقتها مع حز ب الله. فحديثه عن ضرورة طمأنة البيئة الشيعيّة، ورفضه الذهاب إلى “حلول صفريّة مع الحزب، واستعداده للجلوس إلى طاولة الحوار معه إذا اقتضت مصلحة سوريا ولبنان ذلك، حمل رسائل تتجاوز كلّ المرحلة الماضية بما حملت، وتترك إحباطًا كبيرًا في صفوف قادة “اسرائيل”، الذين راهنوا على نقل المنطقة نحو حمام دماء سنّي شيعي يحقّق أهداف التقسيم وإضعاف الحزب. وكان “المرفأ” قد أشار قبل أيّام إلى أنّ دمشق قدّمت تطمينات لمسؤولين لبنانيّين بأنّها لا تنوي الانخراط في أيّ مواجهة مع حز ب الله، وأنّ مقاربتها ستقوم على الحوار وتجنّب الصدام الداخلي اللبناني. وتأتي تصريحات الشرع اليوم لتكرّس عمليًّا تلك الضمانات وتمنحها بعدًا علنيًّا وواضحًا. كما تُعدّ هذه المواقف ضربة للرهان الإسرائيلي الذي سعى خلال الأشهر الماضية إلى تصوير المشهد على أنّه يتّجه نحو مواجهة بين الدولة السوريّة الجديدة وحز ب الله، أملاً في استثمار أيّ صدام محتمل لإضعاف الطرفين معًا. إلّا أنّ خطاب الشرع أظهر تمسّك دمشق بمنطق الاحتواء السياسي لا المواجهة. وفي الوقت نفسه، تفتح هذه التصريحات الباب أمام انتقال العلاقة بين حز ب الله والنظام السوري الجديد من مرحلة الاتصالات غير المباشرة إلى مستوى أكثر علنيّة. فهذه العلاقة، وفق معطيات “المرفأ”، كانت قد بدأت تتشكّل خلال الفترة الماضية عبر قنوات ورعاية تركيّة، انطلاقًا من مصلحة مشتركة تتّصل بمنع أيّ تمدّد إسرائيلي فعلي نحو مناطق النفوذ والمصالح التركية في سوريا. ومن هنا، تبدو تصريحات الشرع مؤشّرًا إيجابيًّ على إمكانية بناء تفاهمات أكثر وضوحًاوبين الجانبين في المرحلة المقبلة، بعيدًاً عن منطق القطيعة أو الصدام أو حتّى الثأر!

اقرأ المزيد

Scroll to Top