I-sra-sis!

تشترك “إسرائيل” وداعـ ـش، رغم كلّ الفروق الظاهرة، في أمرٍ واحدٍ خطير: كلاهما يتعمَّد محو التراث الثقافي في المنطقة كجزء من صراع على الهويَّة والسيطرة. هذا التشابه المرعب لا يخدم سوى أجندات تسيطر على المشهد السياسي والإيديولوجي، محوّلةً الحجر إلى سلاح ضدّ ذاكرة الشعوب، بدءًا من سوريا والعراق وصولًا إلى فلسطين ولبنان.

داعـ ـش، منذ ظهوره على الساحة، لم يترك للعالم سوى صور الخراب مدمّرًا مُدنًا عريقة مثل “تَدمُر” التي كانت من عجائب الحضارات. هذه الحملة ليست مجرَّد اندفاعات عنف عشوائي، بل هي جهد ممنهج لإلغاء هويّة ثقافيّة لا تنسجم مع رؤيتهم المتشدّدة. كلّ حجر دُمّر وكلّ معلم أُزيل كان يمثّل تاريخًا وذاكرةً لأجيال طويلة، وجاءت أيديولوجيا التنظيم المتطرّفة لتجعل من هذه الآثار “كفرًا” يستحقّ المحو.

وعلى الضفّة الأخرى، نجد “إسرائيل” تنفّذ سياسات لا تقلّ خطورة في الأراضي الفلسطينيّة، إذ تتبع أسلوبًا منظّمًا للهدم والمصادرة، حيث لا تكتفي بإزاحة الفلسطينيّين من بيوتهم، بل تعمل على محو المواقع التاريخيّة التي تربطهم بأرضهم. وكأنّ الهدف أبعد من السيطرة على الأرض نفسها، ليصل إلى طمس تاريخ كامل، واستبداله برواية تزرع انتماءً زائفًا على حساب رواية أصحاب الأرض الأصليّين.

حين ننظر إلى حجم الدمار الذي حلّ بالتراث الثقافي في هذه البقعة من العالم، ندرك أنّ المسألة ليست مجرّد فقدان معالم، بل هي حـ ـرب على التاريخ ذاته، على الذاكرة الجماعيّة التي تربط البشر بأرضهم وماضيهم. في وجه هذا التهديد، تصبح حماية التراث واجبًا إنسانيًّا بامتياز، لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتدّ إلى الدفاع عن حق الشعوب في الاحتفاظ بتاريخها، ذلك التاريخ الذي يشكّل جزءًا من النسيج العالمي، وهو إرث إنساني لا يحقّ لأحد محوه.

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top