كلمة للتاريخ توبّخ الصامتين

في الآتي وثيقة إدانة وتوبيخ لا بدّ للتاريخ من أن يحفظها. إدانة وتوبيخ لكلّ إنسان أو مثقّف أو فنّان ممّن يُفترض أنّه يؤمن برسالته كإنسان، أو كمثقّف أو كفنّان، لكنّه عندما يقع أمام اختبار لقناعاته، ينحو إلى الصمت والتلطّي أمام جريمة كبرى تقع أمامه.

 

هذه وثيقة إدانة شاملة لمدّعي الثقافة والفن، لا في لبنان وعالمنا العربي فقط، وإنّما في كلّ ركن من العالم، ولأنّ “السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة” كما أعلنت المخرجة التونسيّة كوثر بن هنية بجرأة وشجاعة، وهي ترفض أمام العالم كله، استلام جائزة فيلمها “صوت هند رجب” في ختام مهرجان “السينما من أجل السلام” في برلين.

 

“المرفأ” ينشر النصّ الحرفي لكلمة كوثر بن هنية، لأنّها يجب أن تعمّم ولأنّها بمثابة حجّة تاريخيّة أمام كلّ فنان أو مثقّف “يجبن” في لحظة لا يمكن الصمت فيها:

 

أحتاج إلى القراءة، لأنّ جائزة أفضل فيلم لهذا العام أكبر ممّا أستطيع تحمّله.. مساء الخير. الليلة، أشعر بالمسؤوليّة أكثر ممّا أشعر بالامتنان. صوت هند رجب لا يتعلّق بطفلة واحدة فقط. إنّه يتعلّق بالنظام الذي جعل قتلها ممكنًا. ما حدث لهند ليس استثناءً. إنّه جزء من إبـ ـادة جمـ ـاعيّة. وهذه الليلة، في برلين، هناك أشخاص قدّموا غطاءً سياسيًّا لتلك الإبـ ـادة. من خلال إعادة تأطير القـ ـتل الجماعي للمدنيّين بوصفه دفاعًا عن النفس، وبوصفه ظروفًا معقّدة. ومن خلال الحطّ من شأن الذين يحتجّون. لكن كما قد تعلمون، السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي، وكي تشعر بالراحة. والسينما ليست تبييضًا بالصور. إذا تكلّمنا عن السلام، فعلينا أن نتكلّم عن العدالة. والعدالة تعني المساءلة. من دون مساءلة، لا سلام. الجيش الإسرائيلي قـ ـتل هند رجب؛ وقـ ـتل عائلتها؛ وقـ ـتل المسعفين الاثنين اللّذين جاءا لإنقاذها، وذلك بتواطؤ من أقوى حكومات العالم ومؤسسّاته التي ترفض أن تسمح بأن يصبح موتهم خلفيّة لخطاب مهذّب عن السلام. ليس ما دامت البُنى التي مكّنت ذلك باقية من دون مساس. لذلك، هذه الليلة، لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. أتركها هنا كتذكير. وعندما يُسعى إلى السلام بوصفه التزامًا قانونيًّا وأخلاقيًّا، متجذّرًا في المساءلة عن الإبادة الجماعيّة، عندها سأعود وأقبلها بفرح. شكرًا جزيلًا. شكرًا لكم.”

 

أخر المقالات

اقرأ المزيد

Scroll to Top