لم يعد البحث في هويّة مفتي الجمهوريّة المقبل نقاشًا مؤجّلًا داخل البيئة السنّيّة. فالتقرير الذي أعدّته المستشارة المقرّرة في مجلس شورى الدولة القاضية رانيا أبو زين انتهى إلى اقتراح إبطال القرار الرقم 55 الصادر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى عام 2023، والذي رفع سنّ نهاية ولاية مفتي الجمهوريّة من 72 إلى 76 عامًا. كما تبنّى مفوّض الحكومة لدى المجلس الاتّجاه نفسه، لكنّ المسار القضائي لم يُحسم نهائيًّا بعد، إذ لا تزال هناك مهلة لإبداء الملاحظات قبل صدور الحكم النهائي عن مجلس شورى الدولة.
وبمعزل عن النتيجة القضائيّة النهائيّة، أعادت التطوّرات فتح ملفّ “ما بعد دريان”، وبدأت معها أسماء تُتداول داخل الأوساط السنّيّة ودار الفتوى، في مقدّمها رئيس المحاكم الشرعيّة السنّيّة العليا الشيخ محمّد عسّاف، وأمين الفتوى في الجمهوريّة اللبنانيّة الشيخ أمين الكردي، والمفتّش العام للأوقاف الإسلاميّة الشيخ أسامة حداد. والمناصب الثلاثة تضع أصحابها أصلًا في قلب المؤسّسة الدينيّة السنّيّة، وقد ظهروا معًا في عدد من المناسبات الرسميّة لدار الفتوى.
محمّد عسّاف: القضاء بوّابة إلى الإفتاء
يدخل الشيخ محمّد عسّاف إلى الاستحقاق من موقع بالغ الأهمّيّة داخل التركيبة الدينيّة السنّيّة، فهو رئيس المحاكم الشرعيّة السنّيّة العليا، وعضو في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وكان رئيسًا للجنة التشريعيّة فيه.
وتمنحه رئاسة المحاكم ثقلًا مؤسّساتيًّا خاصًّا، إذ لطالما شكّل القضاء الشرعي واحدًا من أبرز المسارات المؤدّية إلى المواقع الدينيّة العليا. ومن هنا يمكن فهم الرهان على عسّاف بوصفه مرشّح “المؤسّسة”: قاضٍ في رأس الهرم القضائي الشرعي، يعرف آليّات دار الفتوى والمجلس الشرعي، ويتعامل منذ سنوات مع ملفّاتها الإداريّة والقانونيّة والدينيّة.
إلّا أنّ موقع عسّاف يضعه أيضًا في قلب الجدل المتّصل بقرار التمديد نفسه، إذ تفيد أوراق المراجعة المنشورة بأنّه كان ممّن طرحوا تعديل سنّ نهاية ولاية المفتي خلال جلسة المجلس الشرعي في أيلول 2023. وهذا العامل قد يتحوّل إلى جزء أساسي من النقاش عند فتح معركة الخلافة بصورة فعليّة.
أمين الكردي: ابن الإدارة الدينيّة
أمّا الشيخ أمين الكردي، فيستمدّ حضوره من مسار مختلف. فهو أمين الفتوى في الجمهوريّة اللبنانيّة، ومن أكثر الشخصيّات التصاقًا بالعمل الديني اليومي لدار الفتوى. وتُظهر سيرته الرسميّة أنّه شغل مسؤوليّات متعدّدة داخل المؤسّسة منذ التسعينيّات، من الإمامة وشؤون الطلّاب إلى أمانة سر المعهد العالي للقضاء الشرعي وإدارة الشؤون الدينيّة، قبل تعيينه أمينًا للفتوى عام 2009.
هذه الخبرة تمنح الكردي نقطة قوّة أساسيّة: المعرفة التفصيليّة بالإدارة الدينيّة وآليّات عمل دار الفتوى، إضافة إلى حضوره الديني المباشر. وقد كلّفه المفتي دريان مرارًا بإلقاء خطب الأعياد وإمامة المصلّين في مسجد محمّد الأمين في مناسبات رسميّة، ومنها عيد الفطر عام 2026.
وبالتالي، فإنّ قوّة الكردي تكمن في الاستمراريّة المؤسّساتية؛ فهو ليس اسمًا وافدًا إلى دار الفتوى، بل أحد أبرز الوجوه الموجودة في صلبها منذ سنوات طويلة.
أسامة حداد: ديناميكيّة وعلاقات تتجاوز الإدارة
الاسم الثالث هو الشيخ أسامة حداد، المفتّش العام للأوقاف الإسلاميّة، والذي راكم بدوره تجربة طويلة داخل مؤسّسة الأوقاف ودار الفتوى منذ عام 1989. وتظهر بيانات الدار حضوره بهذه الصفّة منذ سنوات ومشاركته في ملفّات إداريّة ودينيّة ووقفيّة متعدّدة.
لكنّ ما يمنح حداد خصوصيّة في السباق المحتمل لا يقتصر على صفته الإداريّة. فهو يستفيد من ديناميكيّة شخصيّة ومن شبكة علاقات واسعة داخل بيروت ومع شرائح من النخب والفعاليّات السنّيّة، إلى جانب حضوره الديني والاجتماعي المباشر. وقد أشارت تقارير صحافيّة تناولت مبكرًا مرحلة ما بعد دريان إلى اسمه تحديدًا، وربطت حضوره بعلاقاته مع البيئة البيروتيّة والدروس الدينيّة التي يقدّمها في المساجد والمنازل.
وبذلك، تتقاطع في حداد ميزتان: وجوده داخل الجهاز المؤسّسي للأوقاف من جهة، وقدرته على الحركة خارج الأطر الإداريّة الصرفة وبناء العلاقات من جهة ثانية.
المعركة، إذًا، لن تكون دينيّة حصرًا. فتجربة انتخاب مفتي الجمهوريّة في لبنان تجعل من الصعب فصل الاستحقاق عن التوازنات داخل الطائفة السنّيّة، وعن رؤساء الحكومات والقيادات والهيئات الناخبة، فضلًا عن العامل العربي الذي حضر تاريخيًّا في الاستحقاقات الكبرى لدار الفتوى.
وحتّى صدور القرار النهائي عن مجلس شورى الدولة، يبقى الشيخ عبد اللطيف دريان مفتي الجمهوريّة، ويبقى الحديث عن خلافته استشرافًا لاستحقاق قد يُفتح باكرًا إذا أُبطل التمديد بصورة نهائيّة. لكنّ الواضح أنّ السباق الذي كان يدور بصمت خرج إلى العلن، وأنّ أسماء عسّاف والكردي وحداد باتت في قلب النقاش حول هويّة الرجل الذي قد يتولّى قيادة دار الفتوى في المرحلة المقبلة.








