لسنوات، ترسّخت في لبنان معادلة اجتماعيّة خاطئة: الجامعة هي طريق النجاح، فيما التعليم المهني والحرفي خيارٌ لمن لم ينجح أكاديميًّا. والنتيجة أنّ آلاف الشباب يتّجهون سنويًّا نحو اختصاصات جامعيّة وسوق مكتّظة، بينما تزداد الحاجة إلى النجّارين والبلّاطين والسنكريّة والكهربجيّة والحدّادين وفنيّي التكييف والميكانيك والصيانة.
المشكلة لم تكن ظاهرة بالحدّة نفسها سابقًا، لأنّ العمالة السوريّة سدّت جزءًا واسعًا من حاجات قطاعات البناء والصيانة والخدمات. لكن بعد سقوط النظام السوري وبدء عودة أعداد من السوريّين من لبنان، عاد السؤال إلى الواجهة: من سيقوم بهذه الأعمال إذا استمرّ اللبناني في رفضها؟
المفارقة أنّ الحديث هنا ليس عن مهن ضعيفة المردود. بالعكس، أجرة الحرفي الماهر في لبنان قد تصل، بحسب نوع العمل والخبرة، إلى عشرات الدولارات في الزيارة الواحدة، وقد يحقّق صاحب المهنة المستقلّ دخلًا شهريًّا يتجاوز بوضوح راتب موظّف يحمل شهادة جامعيّة. كما أنّ هذه المهن تتيح لصاحبها، بعد اكتساب الخبرة والزبائن، الانتقال من عامل إلى صاحب مؤسّسة صغيرة تشغّل آخرين.
المشكلة تبدأ من التوجيه المهني. فلبنان لا يحتاج إلى دفع كلّ طالب نحو الجامعة، بل إلى دراسة فعليّة لما يحتاجه سوق العمل خلال السنوات المقبلة، وتوجيه جزء من الشباب نحو اختصاصات تقنيّة وحرفيّة مطلوبة: الكهرباء، الطاقة الشمسيّة، التمديدات الصحّيّة، النجارة، التبليط، التبريد والتكييف، الميكانيك، صيانة السيارات والآلات وغيرها.
لكنّ التوجيه وحده لا يكفي. هناك حاجة أيضًا إلى تغيير النظرة الاجتماعيّة وإلى شيء من التواضع. فالسنكري ليس أقلّ شأنًا من الموظف، والنجّار ليس أقلّ نجاحًا من حامل الشهادة، والكهربجي الذي يمتلك خبرته وزبائنه قد يكون أكثر استقرارًا واستقلالًا مادّيًّا من خرّيج جامعي ينتظر وظيفة بـ500 أو 600 دولار.
ببساطة.. يا أيّها اللبنانيّون تواضعوا!






