عن عمر 84 عامًا، ترجّل العُروبيُّ المقاوِم جورج قرم “الآدمي” عن صهوة جواده. جورج قرم، ابنُ أبٍ وأُمٍّ مسيحيَّين -كسروانيّ، عروبيّ- متأثّر بالناصريّة، علمانيّ لم يهتزّ موقفه مِنَ المقاومة!
لعلّ من يقرأ هذه السّطور القليلة، بمقياس اليوم، يراها تناقضات؛ ولكنّها امتيازاتٌ ميّزت جورج قرم عن غيره، وتحديداً، عن اليمين الانعزاليّ.
من الكتاب الأوّل لقرم باللغة الفرنسيّة “انفجار المشرق العربيّ”، في بداية ثمانينيّات القرن الماضي، إلى “المسألة الشرقيّة الجديدة”، مرورًا بـ”أوروبا والشرق” و”شرق-غرب: القطيعة المتخيّلة” و”المسألة الدينيّة في القرن الحادي والعشرين”، وغيرها من المؤلّفات، قدّم جورج قرم “قراءة غير دينيّة للصراعات”، وهو أيضًا عنوان لأحد كتبه.
قرم وُلِد لدى عائلة متمكّنة مادّيًّا، ولكنّ ذلك لم يثنه عن أن يكون رافضاً لـ “توحُّش الإمبرياليّة”. والثقافة الفرنسيّة التي كبر وسطها، لم تمنع تعاطفه مع المدّ الناصريّ، وتأثُّره بالفكر العربيّ.
قرم كان علمانيًّا -قولًا وفعلًا- ومع ذلك كان مؤيّدًا للمقاومة في لبنان وفلسطين رغم أنّ منبتها دينيّ، ورغم موقفه هذا إلّا أنّه استشفّ خطر الأصوليّات الدينيّة المتشدّدة وحذّر منها ووجدها أداةً في يد القمع الامبراطوريّ لشعوب العالم.
قد يكون من وزراء المال المعدودين (كان وزير ماليّة في حكومة “الآدميّ” الرئيس سليم الحص) على أصابع اليد الواحدة، الذين قد لا يتعدّون الإصبَعَين، ممّن يُقال عنهم “آدَميّين”، وهي ميزةٌ فعلًا في بلدٍ مثل لبنان، جاء إليه قرم وهو يُردّد: “أريد أن أخدم الدولة اللبنانيّة”، ورحل عنه قرم وهو يُردّد عن لبنان الذي يتمنّاه: “هو لبنان ليس بيد زعماء الطوائف الذين يقفل كل واحد منهم على طائفته”.