ليست سحر غدار من أولئك الذين يعملون كي يراهم الآخرون. في بلدٍ اعتاد أهله أن يغيب عنهم المسؤول حين يحتاجون إليه، تملأ المبادرات الفرديّة الفراغ الذي يتركه على الأرض. واحدة منها تقودها سحر. بدأت مع الحـ ـرب الماضية ولم تتوقّف حتّى اليوم، وجعلت من دعم العائلات النازحة وطلّاب الجنوب التزامًا يوميًّا، لا تنتظر فيه قرارًا رسميًّا ولا تمويلًا حكوميًّا، ولا جزاءً ولا شكورًا.
في بادئ الأمر، جمعت غدار مواد غذائيّة ومواد تنظيف ومستلزمات النظافة الشخصيّة، إلى جانب حليب الأطفال والحفاضات، لأهل قبعوا في مدارس النزوح مواجهين صعوبات جمّة. ومع حلول الموسم الدراسي، اتّسع العمل ليشمل القرطاسيّة والدعم الدراسي. تشرح غدار أنّ ابن الجنوب اليوم يحتاج إلى من يؤمّن له ذلك. وتلفت إلى أنّ مدارس الجنوب نفسها باتت تعيش أزمة اجتماعيّة ضخمة.
لهذا جعلت المبادرة عودة الطلّاب إلى مدارسهم أولويّة في هذه الفترة، إلى جانب المساعدات الغذائيّة والصحّيّة. وتضع غدار ذلك في مواجهة ما تصفه بـ”محاولات العدوّ” لطمس الهويّة التعليميّة لأولاد الجنوب، “من تهديم المدارس وجرفها”. وتضيف إلى ذلك ما تعتبره “الغياب التام لوزارة التربية” عن أيّ إجراءات لدعم طلّاب الجنوب. شمل الدعم القرطاسيّة كاملة، “من الشنطة للأقلام للآلة الحاسبة للعدّة الهندسية”، من الصفوف الأولى حتّى صفوف الشهادة الثانوية، إضافة إلى تأمين الكتب البديلة للتلاميذ. وعن الحصيلة تقول: “حطّينا هدف هو 600 تلميذ، قدرنا نسكّر احتياجات 550 تلميذ”.
ورغم أنّ المبادرة بلا اسم رسمي، تقول غدار إنّها اعتادت أن تطلق على كلّ ما تقوم به اسم “الوعد الصادق”، “التزامًا منّا بكلمة السيد”. وتحت هذا العنوان سيّر فريقها قوافل من 3 أو 4 شاحنات إلى مراكز النزوح التي استقبلت أهالي الجنوب في صور والغازية وبنعفول، وفي “أي ضيعة كان موجودًا فيها الناس”.
المفارقة أنّ المبادرة لا تنشر أرقامًا هاتفية للتواصل. تشرح غدار أنّ أي رقم يُنشر يتحوّل فورًا من خطّ للتبرّعات إلى خطّ لتسجيل طلبات جديدة، فيزيد الضغط على فريق يعرف حدود قدرته. لذلك يجري التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتقول: “طالما آخدين عدد معيّن منقدر نكون عم نلتزمه، أيّ عدد زيادة على كتافنا عم بحسّسنا دايمًا بالعجز عن تلبية الجميع”. بهذا الوضوح وهذه الشفافيّة تتحدّث.
فحين تهرب المؤسّسات الرسميّة من المسؤوليّة بقرار أو بإهمال، تصبح امرأة وفريق صغير “دولة ضمن لا دولة”، تؤمّن ما عجزت عنه المؤسّسات، وتدفع ثمن هذا الدور ضغطًا لا يتوقّف وطلبات تفوق الإمكانات.
لا أحد كلّف سحر غدار بما تقوم به. ولذلك أضاء “المرفأ” على تجربة تستحقّ الدعم، لأنّ الجنوب يستحقّ.









