المشهد الذي تعرّض له بنيامين نتنياهو على منبر الأمم المتّحدة مذلّ. الاستخفاف بما يعنيه ذلك خطأ، حتّى لو بدا للبعض أنّها مجرّد عمليّة احتجاج رمزية بلا قيمة.
هذا فهم خاطئ.
لم يسبق لهذا الكيان الاحتلالي أن شهد حالة نبذ معولمة كهذه. صيته بالحضيض؛ وقادته مهدّدون بملاحقات قضائية؛ ومستوطنوه يتعرّضون للطرد والتنمّر أينما ذهبوا.
والأهم أنّ هناك من عاش تجربة النبذ هذه في الماضي القريب.. وكان هناك من يستخفّ أيضًا، لكنّ الأمر انتهى بنهاية كيانه: نظام بريتوريا العنصري في جنوب أفريقيا.
صحيح أنّ قاعة الجمعية العامّة للأمم المتّحدة شهدت مرارًا حركات انسحاب وفود احتجاجًا على كلمة رئيس أو زعيم ما، لكن نادرًا ما كنّا نشهد حركات كهذه بهذا المستوى. اثنان يلتقيان هنا: كيان الفصل العنصري ضدّ الفلسطينيين، وكيان الفصل العنصري ضدّ السود في بريتوريا.
بل إنّ إجراءات التضامن والضغط الدولي ضدّ نظام بريتوريا وصلت إلى مستويات أشدّ صرامة وأكثر راديكاليّة، حيث إنّ الانسحاب الجماعي المنظّم لم يكن مجرّد احتجاج عابر، بل تدرّج تاريخيًا ليصل إلى عزل كامل للنظام العنصري داخل المنظّمة الدولية.
فخلال خمسينيّات وستينيّات القرن الماضي، ومع تصاعد حركات التحرّر الأفريقية ودعم المعسكرات العربي والآسيوي واللاتيني ودول عدم الانحياز، كان ممثّلو هذه الدول ينسحبون بشكل جماعي وفوري بمجرّد صعود المندوب أو المسؤول من نظام بريتوريا جنوب أفريقيا إلى منصّة الخطابة في نيويورك، وهو نفس المشهد التضامني الذي يتكرّر حاليًا مع ظهور نتنياهو وزمرته.
ثمّ انتقلنا من حركة الانسحابات الاحتجاجية إلى فرض عقوبات مؤسّسة غير مسبوقة كتعليق العضوية بشكل كامل في العام 1974، وذلك بمبادرة من الدول الأفريقية والعربية برئاسة وزير خارجية الجزائر وقتها عبد العزيز بوتفليقة حيث جرى منع وفد بريتوريا من حضور جلسات الجمعية.
وجاء هذا الموقف القوي بعدما استخدمت الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا حقّ النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع طرد جنوب أفريقيا نهائيًا من الأمم المتّحدة، واستمر هذا النبذ الدولي للنظام العنصري طوال 20 سنة، بما في ذلك حظر أسلحة وعقوبات اقتصادية ورياضية شاملة بموجب قرارات أممية، ولم تستعد جنوب أفريقيا مقعدها وحضورها إلّا في العام 1994، بعد سقوط النظام العنصري وانتخاب نيلسون مانديلا رئيسًا.
هذا ربّما بعض ما خطر ببال نتنياهو المهان بالأمس وهو على المنبر.







